ابن بطوطة
239
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ويعرف من تسارع إلى الخروج ومن أبطأ ! وجلس خارج السراجة على كرسيّ فجئت وسلّمت ووقفت في موقفي بالميمنة ، فبعث إليّ الملك الكبير قبولة سرجامدار « 107 » وهو الذي يشرّد الذباب عنه ، فأمرني بالجلوس عناية بي ولم يجلس في ذلك اليوم سواي ثمّ أتي بالفيل وألصق به سلّم ، فركب ورفع الشطر فوق رأسه ، وركب معه الخواصّ وجال ساعة ثمّ عاد إلى السّراجة . وعادته إذا ركب أن يركب الأمراء أفواجا ، كلّ أمير بفوجه وعلاماته وطبوله وأنفاره وصرّنا يأته ، ويسمّون ذلك المراتب ، ولا يركب أمام السلطان إلّا الحجّاب وأهل الطرب والطبّالة الذين يتقلّدون الأطبال الصغار والذين يضربون الصّرنايات ، ويكون عن يمين السلطان نحو خمسة عشر رجلا ، وعن يساره مثل ذلك ، منهم قضاة القضاة والوزير وبعض الأمراء الكبار وبعض الأعزّة ، وكنت أنا من أهل ميمنته ، ويكون بين يديه المشّاؤون والأدلّاء ، ويكون خلفه علاماته وهي من الحرير المذهّب ، والأطبال على الجمال ، وخلف ذلك مماليكه وأهل دخلته ، وخلفهم الأمراء وجميع الناس ، ولا يعلم أحد أين يكون النزول ، فإذا مرّ السلطان بمكان يعجبه النزول به أمر بالنزول ، ولا تضرب سراجة أحد حتّى تضرب سراجته ، ثمّ يأتي الموكّلون بالنزول فينزّلون كلّ أحد في منزله ! وفي خلال ذلك ينزل السلطان على نهر أو بين أشجار ، وتقدّم بين يديه لحوم الأغنام والدجاج المسمّنة والكراكيّ وغيرها من أنواع الصيد ، ويحضر أبناء الملوك ، وفي يد كلّ واحد منهم سفّود ، ويوقدون النار ويشتوون ذلك ، ويوتي بسراجة صغيرة فتضرب للسلطان ويجلس من معه من الخواصّ خارجها ، ويؤتى بالطعام ويستدعى من شاء فيأكل معه . وكان في بعض تلك الأيّام ، وهو بداخل السراجة ، يسأل عمّن بخارجها ، فقال له السيّد ناصر الدين مطهّر الأوهرّي ، أحد ندمائه : ثمّ فلان المغربي ، وهو متغيّر ! فقال : لماذا ؟ فقال : بسبب الدّين الذي عليه وغرماؤه يحلّون في الطلب ، وكان خوند عالم قد أمر الوزير باعطائه فسافر قبل ذلك ، فإن أمر مولانا أن يصبّر أهل الدّين حتّى يقدم الوزير أوامر بإنصافهم ؟ وحضر لهذا الملك دولة شاه ، وكان السلطان يخاطبه بالعمّ ، فقال : ياخوند عالم ! كلّ يوم هو يكلّمني بالعربية ولا أدري ما يقول . يا سيدي ناصر الدين : ما ذا ؟ وقصد أن يكرّر ذلك الكلام ، فقال : يتكلّم لأجل الدّين الذي عليه ، فقال السلطان : إذا دخلنا دار الملك فامض أنت يا أومار ، ومعناه : يا عمّ إلى الخزانة فأعطه ذلك المال ، وكان خذاوند زادة حاضرا فقال : ياخوند عالم ، إنه كثير الإنفاق وقد رأيته ببلادنا عند السلطان طرمشيرين .
--> ( 107 ) السرجامدار sar - jamadar المشرف على دولاب ملابس السلطان ونرى أنه هنا بمعنى الذي يطرد الذباب عن السلطان ، ويصحب هذا الموظف منديل أبيض ويتقدم الرّكب الملكي وهو يلوّح بين الفينة والأخرى بمنديله في الهواء لطرد الذباب وتلطيف المناخ . . .