ابن بطوطة
179
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
أر قط خلعة أجمل من هذه الخلعة ، وقد رأيت ما خلعه السلطان على سائر أصهاره مثل ابن ملك الملوك عماد الدين السّمناني ، وابن ملك العلماء وابن شيخ الإسلام وابن صدر جهان البخاري ، فلم يكن فيها مثل هذه . ثم ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده ، وفي يد كلّ واحد منهم عصى قد أعدها ، وصنعوا شبه إكليل من الياسمين والنّسرين وريبول « 65 » ، وله رفرف « 66 » يغطي وجه المتكلل به وصدره ، وأتوا به الأمير ليجعله على رأسه ، فأبى من ذلك ، وكان من عرب البادية ، لا عهد له بأمور الملك والحضر ! فحاولته وحلفت عليه حتى جعله على رأسه وأتى باب الصّرف ويسمونه باب الحرم « 67 » ، وعليه جماعة الزوجة فحمل عليهم بأصحابه حملة عربية وصرعوا كل من عارضهم فغلبوا عليهم ، ولم يكن لجماعة الزوجة من ثبات ! وبلغ ذلك السلطان فأعجبه فعله ، ودخل إلى المشور وقد جعلت العروس فوق منبر عال مزين بالديباج مرصع بالجوهر والمشور ملآن بالنساء والمطربات قد أحضرن أنواع الآلات المطربة وكلهنّ وقوف على قدم إجلالا له وتعظيما ، فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر فنزل وخدم عند أول درجة منه ، وقامت العروس قائمة حتى صعد فأعطته التنبول بيدها فأخذه وجلس تحت الدرجة التي وقفت بها ، ونثرت دنانير الذهب على رؤوس الحاضرين من أصحابه ، ولقطتها النساء والمغنيات يغنين حينئذ ، والأطبال والأبواق والأنفار تضرب خارج الباب . ثم قام الأمير وأخذ بيد زوجته ونزل وهي تتبعه ، فركب فرسه يطأ به الفرش والبسط ، ونثرت « 68 » الدنانير عليه وعلى أصحابه ، وجعلت العروس في محفة وحملها العبيد على أعناقهم إلى قصره ، والخواتين بين يديها راكبات وغيرهن من النساء ماشيات ، وإذا مرّوا بدار أمير أو كبير خرج إليهم ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قدر همته حتى أوصلوها إلى قصرها .
--> ( 65 ) عن السّمناني يراجع 252 , iii وعن البخاري 54 , iii وعن الريبول اعتقد أنها الفلّ - انظر 150 , iii . ( 66 ) تلاحظ قوة ذاكرة الرحالة الذي لم ينس مثل هذه الدقائق التي ينساها المرء عادة . . . وينبغي الوقوف مع المفرد الحضاري الذي ذكره فعلاوة على الإكليل من الزهور المتنوعة هناك ( الرفرف ) أي الحجاب الشفاف الذي يغطي به وجه العروس أو العريس إمعانا في لفت الأنظار إليها أو إليه ! وتلك كلها كما قرأنا عادات كانت سائدة في الهند . ( 67 ) باب الحرم يؤدي إلى منطقة معزولة عن باقي الناس خاصة بالحريم . . . ( 68 ) نثار أو نثر الدراهم على العريس عادة معروفة ، وتسمى في المغرب ( الغرامة ) ! يقال مثلا : أصدقاء العريس يغرمون عليه : ينثرونه بالدنانير والأوراق النقدية ، ويستغرب المرء لهذه العادات التي تتشابه مع عادات بعض الجهات الإسلامية ، عادات تقصد إلى مساعدة العريسين في بداية حياتهما الزوجية . . .