ابن بطوطة

28

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

لي بالقرب منه وقعدت عليها ، وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود ، ونديم له لا أعرف اسمه ، فسألني عن حالي وبلادي وسألني عن الملك الناصر وبلاد الحجاز ، فأجبته عن ذلك ، ثم جاء فقيه كبير هو رئيس فقهاء تلك البلاد ، فقال لي السلطان : هذا مولانا فضيل ، والفقيه ببلاد الأعاجم كلّها إنما يخاطب بمولانا « 93 » ، وبذلك يدعوه السلطان وسواه ، ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور وظهر لي أن السّكر غالب عليه ! وكنت قد عرفت إدمانه على الخمر ، ثم قال لي : باللسان العربي ، وكان يحسنه : تكلّم ! فقلت له : إن كنت تسمع منّي أقول لك ، أنت من أولاد السلطان أتابك أحمد المشهور بالصلاح والزهد ، وليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا ! وأشرت إلى الآنيتين ، فخجل من كلامي ، وسكت وأردت الانصراف فأمرني بالجلوس وقال لي : الاجتماع مع أمثالك رحمة ، ثم رأيته يتمايل ويريد النوم ، فانصرفت وكنت تركت نعلي بالباب فلم أجده ، فنزل الفقيه محمود في طلبه ، وصعد الفقيه فضيل يطلبه في داخل المجلس ، فوجده في طاق هنالك ، فأتى إليّ به فأخجلني برّه ، واعتذرت إليه ، فقبّل نعلي حينئذ ، ووضعه على رأسه ، وقال لي : بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أحد أن يقوله له ، غيرك ، والله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه . ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد أيام فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم ، وأقمت بها أياما ، وبعث إليّ السلطان بجملة دنانير ، وبعث بمثلها لأصحابي ، وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة « 94 » ، وفي كل ليلة ننزل بمدرسة فيها الطعام ، فمنها ما هو في العمارة ، ومنها ما لا عمارة حوله ، ولكن يجلب إليها جميع ما تحتاج اليه . وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تعرف بمدرسة كريو الرّخ « 95 » ، وهي آخر بلاد هذا الملك ، وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة إصفهان ، ثم وصلنا إلى

--> ( 93 ) من كلمة مولانا تأتي كلمة ( مولا ) بإيران والهند ، ولا ننسى أن كلمة ( مولاي ) تختص في المغرب على العموم بالمنحدرين من الرسول صلى الله عليه وسلم تقابلها كلمة ( لالة ) بالنسبة للسيدات المنحدرات من الرسول . ( 94 ) القصد إلى جبال زجروس ( Zaghros ) ، وحتى القرن الخامس عشر كان الطريق الذي يربط بين إيذج وبين إصبهان شاقا ويعرف باسم جادة الأتابكة . ( 95 ) گريو تعني بالفارسية المرتفع والتل ، ولم نقف على صدى لهذا الاسم في المعاجم الجغرافية الفارسية لكن ربما كان القصد إلى الاسم الحديث كهوروخ ( Kahwarukh ) في إقليم شهر محل .