ابن بطوطة

383

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الموضع مستريحا عند مجيئه من عمرته فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه . ومنها التنعيم ، وهو على فرسخ من مكة ، ومنه يعتمر أهل مكة وهو أدنى الحلّ إلى الحرم ، ومنه اعتمرت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها حين بعثها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسليما في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن رضي اللّه عنه ، وأمره أن يعمرها من التنعيم ، وبنيت هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تنسب كلها إلى عائشة رضي اللّه عنها ، وطريق التّنعيم طريق فسيح ، والناس يتحرون كنسه في كلّ يوم رغبة في الأجر والثواب لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافيا ، وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تسمى الشّبيكة . ومنها الزاهر وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم ، وهو موضع على جانبي الطريق فيه أثر دور وبساتين وأسواق ، وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصفّ عليه كيزان الشّرب وأواني الوضوء يملأها خديم ذلك الموضع من أبار الزاهر وهي بعيدة القعر جدّا ، والخديم من الفقراء المجاورين ، وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء ، وذو طوى يتصل بالزاهر . ذكر الجبال المطيفة بمكة . فمنها جبل أبي قبيس ، وهو في جهة الجنوب والشرق من مكة حرسها اللّه وهو أحد الأخشبين وأدنى الجبال من مكة شرفها اللّه ، ويقابل ركن الحجر الأسود ، وبأعلاه مسجد « 175 » وأثر رباط وعمارة ، وكان الملك الظاهر « 176 » رحمه اللّه أراد أن يعمّره ، وهو مطلّ على الحرم الشريف وعلى جميع البلد ، ومنه يظهر حسن مكة شرّفها اللّه ، وجمال الحرم واتساعه ، والكعبة المعظمة ، ويذكر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خلقه اللّه تعالى وفيه استودع الحجر زمان الطوفان ، وكانت قريش تسميه الأمين ، لأنه أدى الحجر الذي أستودع فيه إلى الخليل إبراهيم عليه السلام ، ويقال : إن قبر آدم عليه السلام به ، وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما حين انشق له القمر « 177 » ، ومنها قعيقعان « 178 » وهو أحد

--> ( 175 ) وردت مثل هذه المعلومات في رحلة ابن جبير . . . والمسجد اليوم معروف باسم جامع بلال باسم مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( 176 ) القصد إلى بيبرس ص 10 - 30 - 88 . ( 177 ) القرآن الكريم : اقتربت الساعة وانشق القمر ، السورة 54 . ( 178 ) جبل قعيقعان يقع في مقابلة جبل أبي قبيس علوهما معا نحو 600 قدم ، وبينهما مكة ، أبو قيس مشرف على الحرم ، وجهه إلى قعيقعان أبو قبيس من شرقها وقعيقعان من غربها ، الآن يسمى جبل هندي . . . ياقوت مادة أبو قبيس ( حرف الألف ) .