ابن بطوطة
367
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم رحلنا من عسفان ونزلنا بطن مرّ ويسمى أيضا مرّ الظهران « 103 » ، وهو واد مخصب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة تسقى تلك النّاحية ، ومن هذا الوادي تجلب الفواكه والخضر إلى مكة شرفها اللّه تعالى . ثم أدلجنا من هذا الوادي المبارك والنفوس مستبشرة ببلوغ أمالها ، مسرورة بحالها ومآلها ، فوصلنا عند الصباح إلى البلد الأمين مكة شرفها اللّه تعالى فوردنا منها على حرم اللّه تعالى ومبوّأ خليله إبراهيم ، ومبعث صفيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ودخلنا البيت الحرام الشريف الذي من دخله كان آمنا . من باب بني شيبة « 104 » ، وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها اللّه تعظيما وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال ، وترفل في برود الجمال ، محفوفة بوفود الرحمن ، موصلة إلى جنّة الرّضوان ، وطفنا بها طواف « 105 » القدوم واستلمنا الحجر الكريم ، وصلّينا ركعتين بمقام إبراهيم ، وتعلّقنا بأستار الكعبة عند الملتزم ، بين الباب والحجر الأسود حيث يستجاب الدعاء ، وشربنا من ماء زمزم ، وهو لما شرب له ، حسبما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما ، ثم سعينا بين الصفا والمروة ونزلنا هنالك بدار بمقربة من باب إبراهيم ، والحمد لله الذي شرفنا بالوفادة على هذا البيت الكريم وجعلنا ممن بلغته دعوة الخليل عليه الصلاة والتسليم ، ومتّع أعيننا بمشاهدة الكعبة الشريفة والمسجد العظيم والحجر « 106 » والحجر الكريم ، وزمزم والحطيم . ومن عجائب صنع اللّه تعالى أنّه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة ، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة ، وجعل حبّها متمكنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلّا أسفا لفراقها ، متولّها لبعاده عنها ، شديد الحنين إليها ، ناويا لتكرار الوفادة عليها ، فأرضها المباركة نصب الأعين ومحبتها حشو القلوب حكمة من
--> ( 103 ) مرّ يقول العبدري : واد به نخل كثير وماء جار وعمارة ، وإنه من عمل مكة ، وهو مرّ الظّهران المذكور في الحديث . . . وقبل هذا تحدث عنه ابن جبير في رحلته وهو يقع على بعد 30 ميلا من مكة . . . الوادي اليوم يدعى وادي فاطمة . . . ( 104 ) المدخل المتعارف عليه للحجاج هو هذا الباب الذي يحمل اليوم باب السلام ، واسم باب بني شيبة أعطى لرواق قريب من بئر زمزم مكان السور القديم للكعبة ، هذا ويقدّر المستشرق التشيكي هربيك أن ابن بطوطة وصل إلى مكة حوالي 20 ذي القعدة 726 - 18 أكتوبر 1326 . ( 105 ) ابن بطوطة يختصر هنا ما سيقدمه بتفصيل أكثر . . . ( 106 ) الحجر بكسر الحاء وتسكين الجيم سقطت عند الناشرين الفرنسين لأنهما اعتمدا كما هي العادة على المخطوطة الباريزية رقم 2289 بينما هي موجودة في معظم المخطوطات الأخرى . والحجر والحطيم هو الفضاء من البيت الحرام الذي يقع شمال الكعبة ، وهو مسوّر بسور منحدر نصف دائري يتفق مع حدود الكعبة قبل الإسلام ، وكانت الجاهلية تتحالف هناك . . . وهكذا يذكر ابن بطوطة ستة أشياء : الكعبة والمسجد والحجر ، والحجر الأسود وزمزم والحطيم .