ابن بطوطة
368
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
اللّه بالغة ، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام ، والشوق يحضرها وهي نائية ، ويمثلها وهي غائبة ، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء ، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها ، ويشاهد التّلف في طريقها ، فإذا جمع اللّه بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة ، ولا كابد محنة ولا نصبا ، إنه لأمر إلاهي ، وصنع ربّاني ، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة ، ولا يطرقها تمويه ، تقوى بصيرة المستبصر وتسدد فكرة المتفكر « 107 » . ومن رزقه اللّه تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء ، فقد أنعم اللّه عليه النعمة الكبرى ، وخوّله خير الدارين : الدنيا والأخرى ، فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه ، جعلنا اللّه تعالى ممّن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته ، وكتبت في سبيل اللّه آثاره ، ومحيت بالقبول أوزاره بمنّه وكرمه . ذكر مدينة مكة المعظمة وهي « 108 » مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحفّ به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليه ليست بمفرطة الشموخ ، والأخشبان « 109 » من جبالها : هما جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها ، وجبل قعيقعان وهو في جهة الغرب « 110 » . منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر ، ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر ، وأجياد الأصغر وهما شعبان « 111 » والخندمة وهي جبل وستذكر ، والمناسك كلّها منى
--> ( 107 ) لقد وقع اضطراب هنا عند بعض النساخ والصواب ما أثبتناه نقلا عن سائر المخطوطات الموثقة . ( تقوي بصيرة المستبصر وتسدّد فكرة المتفكر ) ، لقد أحسن ابن بطوطة صنعا وهو يعبر عما يكنه لتلك الديار من عواطف ومشاعر تتملك المغاربة الذين عرفوا بتعلقهم الزائد بهاتيك البقاع ، وقد أثارت عبارة ابن بطوطة هذه انتباه السيد هاميلتون گيب الذي انتقد الترجمة الفرنسية واقترح هو ترجمتها على هذا النحو : العبارة " Which is of compelling cogency in the perception of men of understan ding , and shatters the rationalism of The intellectuals " Gibb T . I . P . 189 Note 7 . ( 108 ) يلاحظ أن الوصف الذي قدمه ابن بطوطة ابتداء من هذه الصفحة مقتبس معظمه من رحلة ابن جبير مع بعض التغييرات فقط . . ( 109 ) الواقع أن الجبلين أو الأكمتين تقعان في الشرق والغرب من مكة . ويذكر العبدري أن الأخشبين هما أبو قبيس والأحمر ، وهو رأي آخر حول الأخشبين - راجع تحقيق د . الغنيم حول جزيرة العرب من كتاب الممالك للبكرى . ( 110 ) هنا بياض في سائر المخطوطات التي بين أيدينا ، وقد أراحنا ابن جبير عندما ذكر أن قعيقعان في الجهة الغربية . ويلاحظ على الناشرين تصرّفهما وملئهما للفراغ بقولهما جهة الغرب منها ، كما يلاحظ عليهما ذكران قبيس يقع في الجنوب . . . جزء أول صفحة 303 طبعة باريز . . . تعليق ص 434 . ( 111 ) شعبا جياد أو أجياد يقعان بين أبي قبيس وبين الأكمة المجاورة نحو الجنوب المسمى جبل كدى .