ابن بطوطة
309
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق قائمة على أربع سواري من الرخام الناصع وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علو فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين ، وهم يسمونه قفص الماء ، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب ، وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله « 182 » عنه ، ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقى البلاطان الغربي والجوفي موضع يقال : إن عائشة رضي الله عنها سمعت الحديث هنالك . وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى « 183 » التي يؤم فيها إمام الشافعية ، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المؤمنين عثمان بن عفان « 184 » رضي الله عنه إلى الشام ، وتفتح تلك الخزانة كلّ يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم ، وهنالك يحلّف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا ، وعن يسار المقصورة محراب الصحابة ، ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام ، وفيه يؤم إمام المالكية ، وعن يمين المقصورة محراب الحنفية وفيه يؤم إمامهم ، ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم . ولهذا المسجد ثلاث صوامع إحداها بشرقيه ، وهي من بناء الروم « 185 » ، وبابها داخل المسجد وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيها المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضؤون ، والصومعة الثانية بغربيّه وهي أيضا من بناء الروم « 186 » ، والصومعة الثالثة
--> ( 182 ) معنى المشهد هنا لا يقصد إلى وجود قبر عليّ رضي الله عنه ، ولكن القصد إلى مزارة تصور بعضهم أن عليا شوهد فيها ، مناما ، مصليا ونذكر هنا أنه لا الإمام علي ولا السيدة عائشة كلّ منهما لم يقم بزيارة لدمشق . . . ابن جبير : الرحلة 216 . . . ( 183 ) المقصورة تعني سياجا يشيد خصيصا للخليفة أو الحاكم لحمايته أثناء أداء الصلاة . . . ابن جبير : الرحلة ص 214 ص 336 . - د . التازي : المسجد في المأثور الإسلامي / مصدر سابق / . ( 184 ) الخليفة عثمان رضي الله عنه هو الذي قام بعملية جمع القرآن وقام بإرسال نسخ ممّا جمع لعواصم الأقاليم الإسلامية الأخرى . وحول مصحف عثمان بن عفان يراجع تاريخ المنّ بالإمامة تأليف ابن صاحب الصلاة ، تحقيق : عبد الهادي التازي . الطبعة الثالثة ، دار الغرب الإسلامي بيروت 1987 ص 350 تعليق l . ( 185 ) كانت في الأصل منارة للكنيسة وقد تهدمت في أعقاب زلزال ضرب المدينة عام 739 - 1339 قبل أن تبنى من جديد . . . ( 186 ) نلاحظ أن هذه الصومعة أيضا من بناء البيزنطيين الذين استعان بهم الوليد على ما أسلفنا .