ابن بطوطة

292

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ويعطيهم من ورق الزيتون ويقول لهم : استظهروا بها ، فإنها كالأوامر لكم ، فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أميره فيقول له : إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد ، فيقول له أين الأمر ؟ فيخرج ورق الزيتون ، فيضرب ويحبس ثم أنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين ، وأن يبدأوا بمدينة جبلة ، وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الآس ، ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفا عند القتال ، فغدروا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة ، فدخلوا الدور وهتكوا الحريم ، وثار المسلمون من مسجدهم فأخذوا السلاح وقتلوهم كيف شاءوا ، واتصل الخبر باللاذقية فأقبل أميرها بهادر عبد الله « 142 » بعسكره وطيّرت الحمام إلى طرابلس فأتى أمير الأمراء بعساكره وأتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين ألفا ، وتحصّن الباقون بالجبال وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه دينارا عن كل رأس إن هو حاول إبقاءهم . وكان الخبر قد طيّر به الحمام إلى الملك الناصر وصدر جوابه أن يحمل عليه السيف ، فراجعه ملك الأمراء وألقى له انهم عمال المسلمين في حراثة الأرض وأنهم إن قتلوا ضعف المسلمون لذلك ، فأمر بالابقاء عليهم . ثم سافرت إلى مدينة اللاذقية « 143 » وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا « 144 » ، وكنت إنما قصدتها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الإسكندري فلما وصلتها وجدته غائبا بالحجاز الشريف فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي ، وهما بمسجد علاء الدين بن البهاء أحد فضلاء الشام وكبرائها صاحب الصدقات والمكارم وكان عمّر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر ، وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي ، فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فولاه قضاءها .

--> ( 142 ) بهادر بن عبد الله البدري ، تنقل إلى أن ولى نيابة حمص سنة 719 - 1319 ثم ولى نيابة الكرك سنة 725 - 1325 ثم أمّر بدمشق فوقع منه في حق تنكيز إساءة أدب فسجنه تنكبز ثم أفرج عنه فنقل إلى طرابلس . واستمر بها إلى أن مات عام 740 - 1339 . - الدرر الكامنة 2 - 29 رقم 1350 . ( 143 ) اللاذقية مدينة مهمة منذ فجر تاريخها ، وقد هدمها السلطان صلاح الدين عندما استرجع البلاد المحتلة 583 - 1188 حتى يقطع آمال الصليبيين فيها ! ( 144 ) الإشارة إلى القصة الواردة في القرآن الكريم في سورة الكهف رقم 18 ، الآية 78 : " . . . وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا .