ابن بطوطة
293
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
حكاية [ ابن المؤيد الهجاء ] كان باللاذقية رجل يعرف بابن المؤيد هجّاء لا يسلم أحد من لسانه ، متهم في دينه مستخف ، يتكلم بالقبائح من الإلحاد فعرضت له حاجة عند طيلان ملك الأمراء فلم يقضها له ، فقصد مصر وتقول عليه أمورا شنيعة ، وعاد إلى اللاذقية ، فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أن يتحيّل في قتله بوجه شرعي ، فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه ، واستخرج كامن إلحاده ، فتكلم بعظائم أيسرها يوجب القتل ، وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب ، فكتبوا عقدا بمقاله ، وثبت عند القاضي ، وسجن وأعلم ملك الأمراء بقضيته ، ثم أخرج من السجن وخنق على بابه . ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عزل عن طرابلس ووليها الحاج قرطية « 145 » ، من كبار الأمراء وممن تقدّمت له فيها الولاية ، وبينه وبين طيلان عداوة فجعل يتبع سقطاته وقام لديه إخوة ابن المؤيد شاكين القاضي جلال الدين ، فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد فأحضروا ، وأمر بخنقهم ، وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس ، وأجلس كل واحد منهم تحت مختنقه ونزعت عمائمهم ، ومن عادة أمراء تلك البلاد أنه متى أمر أحدهم بقتل أحد من الناس يمرّ الحاكم من مجلس الأمير سبقا على فرسه إلى حيث المأمور بقتله ، ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلاثا ، فإذا كان بعد الثلاث أنفذ الأمر ، فلما فعل الحاكم ذلك قامت الامراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم ، وقالوا : أيها الأمير هذه سبة في الاسلام ! يقتل القاضي والشهود ! فقبل الأمير شفاعتهم وخلى سبيلهم وبخارج اللاذقية الدّير المعروف بدير الفاروص « 146 » وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرّهبان ويقصده النصارى من الآفاق ، وكل من نزل به
--> ( 145 ) القصد إلى شهاب الدين قرطاي الأشرفي حاكم حمص ثم طرابلس من عام 715 - 1316 ومن 1332 733 - إلى وفاته في صفر 734 - 1333 . - الدرر الكامنة 3 ، 332 . ( 146 ) خصص ياقوت في كتابه ( معجم البلدان ) حيّزا هاما لذكر الأديرة التي يتعبد فيها الرهبان قائلا إن الدير لا يكاد يكون في المصر الأعظم ، انما يكون في الصحاري ورؤوس الجبال ، فإن كان في مصر سمّي كنيسة وقد أتى على طائفة منها لكنه لم يذكر دير الفاروص الذي يقول ابن بطوطة عنه : إنه أعظم دير بالشام ومصر .