ابن بطوطة

264

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

السلطان ، فأتاه برمان ، فوجده حامضا ، فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده أيضا حاوضا ، فقال له الوكيل أتكون في حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ولا تعرف الحلو من الحاوض فقال : إنما استأجرتني على الحراسة لا على الأكل ! فأتى الوكيل إلى الملك فأعلمه بذلك ، فبعث اليه الملك وكان قد رأى في المنام أنه يجتمع مع أبي يعقوب وتحصل له منه فائدة ، فتفرّس أنه هو فقال له أنت أبو يعقوب ؟ قال نعم ، فقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه ثم احتمله إلى مجلسه فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكدّ يمينه وأقام عنده أياما . ثم خرج من دمشق فارا بنفسه في أوان البرد الشديد ، فأتى قرية من قراها وكان بها رجل من الضعفاء ، فعرض عليه النزول عنده ، ففعل وصنع له مرقة وذبح دجاجة ، فأتاه بها وبخبز شعير ، فأكل من ذلك ودعا للرجل وكان عنده جملة أولاد منهم بنت قد آن بناء زوجها عليها ، ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها ويكون معظم الجهاز أواني النحاس وبه يتفاخرون وبه يتبايعون ، فقال أبو يعقوب للرجل هل عندك شيء من النحاس ؟ قال : نعم ، قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت ، قال : ائتني به فأتاه به ، فقال له استعر من جيرانك ما أمكنك منه ، ففعل ، وأحضر ذلك بين يديه ، فأوقد عليه النيران ، وأخرج صرة كانت عنده فيها الإكسير ، فطرح منه على النحاس ، فعاد كلّه ذهبا وتركه في بيت مقفل . وكتب كتابا إلى نور الدين ملك دمشق يعلمه بذلك وينبّهه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء ويوقف عليه الأوقاف ويبني الزوايا بالطرق ويرضى أصحاب النحاس ويعطي صاحب البيت كفايته . وقال له في آخر الكتاب « . . . وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت من ملك المغرب وعن هذه الصنعة والسلام . . . » وفرّ من حينه ، وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين ، فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب بعد أن أرضى أصحاب النحاس وصاحب البيت . وطلب أبا يعقوب فلم يجد له أثرا ولا يقع له على خبر فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه « 60 » الذي ليس في المعمور مثله .

--> ( 60 ) المستشفى الشهير الذي بناه نور الدين عام 549 - 1154 تحدث عنه ابن جبير ص 230 ، وما تزال اثاره إلى الآن غرب الجامع الأموي وعلى عكس هذا فإنه لا يوجد أثر آخر يؤيد هذه الرواية . وأن الرائج حول تمويل بناء هذا المستشفى هو أن أحد الأمراء الصليبيين أدى فدية ثقيلة لتحريره فبنى بها نور الدين ذلك المستشفى . - الإكسير ( L'elixir ) كلمة غير عربية - البيمارستان : كلمة فارسية . . هذا وسيأتي ( ص 173 ) الحديث عن ترجمة إبراهيم بن أدهم المتوفى عام 161 ه - 778 م .