ابن بطوطة
151
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
التي أبرأت الدين عند اعتلاله ، وأغمدت سيف العدوان عند انسلاله ، وأصلحت الأيام بعد فسادها ، ونفّقت سوق العلم بعد كسادها وأوضحت طرق البر عند إنهاجها ، وسكّنت أقطار الأرض عند ارتجاجها وأحيت سنن المكارم بعد مماتها ، وأماتت رسوم المظالم بعد حياتها وأخمدت نار الفتنة عند اشتعالها ، ونقضت أحكام البغى عند استقلالها ، وشادت مباني الحق على عمد التقوى واستمسكت من التوكل على اللّه بالسبب الأقوى ، فلها العز الذي عقد تاجه على مفرق الجوزاء ، والمجد الذي جز أذياله على مجرّة السماء ، والسعد الذي رد على الزمان غض شبابه ، والعدل الذي مد على أهل الإيمان مديد أطنابه ، والجود الذي قطّر سحابه اللجين والنضار ، والبأس الذي فيّض غمامه الدم الموّار ، والنصر الذي نفض كتائبه الأجل ، والتأييد الذي بعض غنائمه الدول ، والبطش الذي سبق سيفه العذل ، والأناة التي لا يملّ عندها الأمل ، والحزم الذي يسد على الأعداء وجوه المسارب ، والعزم الذي يفلّ جموعها قبل قراع الكتائب ، والحلم الذي يجني العفو من ثمر الذنوب ، والرفق الذي أجمع على محبّته بنات القلوب ، والعلم الذي يجلو نوره دياجي المشكلات ، والعمل المقيّد بالاخلاص والأعمال بالنيات . ولما كانت حضرته العلية مطمح الآمال ، ومسرح همم الرجال ، ومحط رحال الفضائل ، ومثابة أمن الخائف ومنية السائل ، توخّى الزمان خدمتها ببدائع تحفه ، وروائع طرفه ، فانثال عليها العلماء انثيال جودها على الصفاة ، وتسابق إليها الأدباء تسابق عزماتها إلى العداة ، وحج العارفون ، حرمها الشريف ، وقصد السائحون ، استطلاع معناها المنيف ، ولجأ الخائفون إلى الامتناع بعز جنابها ، واستجارت الملوك بخدمة أبوابها ، فهي القطب الذي عليه مدار العالم ، وفي القطع بتفضيلها تساوت بديهة عقل الجاهل والعالم ، وعن ماثرها الفائقة يسند صحاح الآثار كلّ مسلم ، وبإكمال محاسنها الرائقة يفصح كلّ معلم . وكان ممن وفد على بابها السامي « 6 » ، وتعدّى أو شال البلاد إلى بحرها الطامي ، الشيخ الفقيه السائح الثقة الصدوق جوّاب الأرض ، ومخترق الأقاليم بالطول والعرض ، أبو عبد اللّه محمد ابن عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة ، المعروف في البلاد الشرقية بشمس الدين ، وهو الذي طاف الأرض معتبرا وطوى الأمصار مختبرا ، وباحث فرق الأمم وسبر سير العرب والعجم ثم ألقى عصا التّسيار بهذه الحضرة العليا ، لما علم أن لها مزية الفضل دون شرط ولا ثنيا ، وطوى المشارق إلى مطلع بدرها بالمغرب ، وآثرها على الأقطار إيثار التّبر على التّرب ، اختيارا
--> ( 6 ) هذه الفقرات التي تشيد بابن بطّوطة وبمصداقيته وكفاءته تؤكد - إن كنا في حاجة إلى تأكيد - أن هذه المقدمة كلها من عمل أبي عبد اللّه ابن جزي ، وليست من عمل ابن بطوطة كما توحي بذلك " المقدمة " الذي تتصدّر سائر النسخ المطبوعة ! !