ابن بطوطة

152

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

بعد طول اختبار البلاد والخلق ، ورغبة في اللّحاق ، بالطائفة التي لا تزال على الحق ، فغمره من إحسانها الجزيل ، وامتنانها الحفيّ الحفيل ، ما أنساه الماضي بالحال ، وأغناه عن طول التّرحال ، وحقّر عنده ما كان من سواها يستعظمه ، وحقق لديه ما كان من فضلها يتوهمه ، فنسى ما ألفه من جولان البلاد ، وظفر بالمرعى الخصب بعد طول الارتياد . ونفذت الإشارة الكريمة بأن يملي ما شهده في رحلته من الأمصار ، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار ، وعلمائها الأخيار وأوليائها الأبرار ، فأملى من ذلك ما فيه نزهة الخواطر ، وبهجة المسامع والنواظر ، من كل غريبة أفاد باجتلابها ، وعجيبة أطرف بانتخابها ، وصدر الأمر العالي لعبد مقامهم الكريم ، المنقطع إلى بابهم ، المتشرف بخدمة جنابهم ، محمد « 7 » بن محمد « 8 » بن جزي الكلبي أعانه اللّه على خدمتهم ، وأوزعه شكر نعمتهم ، بأن يضم أطراف ما أملاه ، الشيخ أبو عبد اللّه ، من ذلك في تصنيف يكون على فوائده مشتملا ، ولنيل مقاصده مكمّلا ، متوخيا تنقيح الكلام وتهذيبه ، معتمدا إيضاحه وتقريبه ، ليقع الاستمتاع بتلك الطّرف ، ويعظم الانتفاع بدرّها عند تجريده عن الصدف ، فامتثل ما أمر به مبادرا ، وشرع في منهله ليكون ، بمعونة اللّه ، عن توفية الغرض منه صادرا ، ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد اللّه بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها ، موضّحة للمناحي التي اعتمدها ، وربما أوردت لفظه على وضعه فلم أخلّ بأصله ولا فرعه ، وأوردت جميع ما قيده من الحكايات والأخبار ، ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار ، على أنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك ، وخرج عن عهدة سائرها بما يشعر من الألفاظ بذلك ، وقيّدت المشكل من أسماء المواضع والرجال بالشكل والنقط ، ليكون أبلغ في التصحيح والضبط ، وشرحت ما أمكنني شرحه من الأسماء الأعجمية لأنها تلتبس بعجمتها على الناس ، ويخطئ في فك معماها معهود القياس ، وأنا أرجو أن يقع ما قصدته من المقام

--> ( 7 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد ابن جزيّ الكلبيّ ( الشاعر الكاتب ) . . . استكتبه أبو الحجاج يوسف ابن الأحمر ثم تغيّر عليه - ففارقه إلى المغرب ، آخر عام 753 وحظي بمكانة عند السّلطان أبي عنان ، وهو الذي أملى عليه ابن بطوطة رحلته بأمر السلطان أبي عنان فكان الفراغ من كتبها في صفر 757 يبراير 1356 وقد ذكر المقري في أزهار الرياض ( 3 ، 189 - 195 ) أنه - أي ابن جزي - توفي يوم التاسع والعشرين من شوال عام 757 ( 25 أكتوبر 1356 ) أي في أواخر السنة التي أنهى فيها كتابة الرحلة . راجع المقدمة . ( 8 ) هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن عبد اللّه ابن جزي الكلبي ، من أعيان فقهاء الأندلس ، وهو صاحب تفسير " التسهيل لعلوم التنزيل " وكتاب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية " وتقريب الوصول إلى علم الأصول و " الفوائد العامة في لحن العامة " . . قال المقري : فقد وهو يحرّض الناس يوم معركة طريف عام 741 - 1340 .