عواطف محمد يوسف نواب
105
الرحلات المغربية والأندلسية
مميزات رحلة ابن جبير : قبل البدء في بيان مميزات الرحلة لا بد من إبداء ملاحظة لعل الكثيرين غفلوا عنها . وهي عدم عودته بعد أداء فريضة الحج رأسا إلى غرناطة من الطريق التي آتى منها عبر مصر ثم عبوره البحر الأحمر إلى جدة . فهو قد عاهد الله تعالى بعدم عبوره مرة أخرى بسبب ما قاساه من أهوال ومشقة « 1 » . وحيث إنه لم يكن هناك إلا طريق البحر وطريق البر الذي سيطر عليه الصليبيون في تلك الفترة ، فلم يكن أمامه سوى الذهاب إلى العراق وغيرها من مدن الشام . ثم عودته بحرا إلى الأندلس ؛ فلولا ما حلف به لسلك نفس الطريق . لقد امتازت رحلة ابن جبير بالعديد من المميزات ومنها : تدوينها على هيئة يوميات ؛ لذا كان وصفه شاملا مفصلا مع إثبات ذلك بالتاريخين الهجري والميلادي . وهذا يخالف ما ذهب إليه كراتشكوفسكى من أنه دونها بعد رجوعه « 2 » فالدلائل كلها تشير إلى تقييدها يوما بيوم . ومنها أيضا عنايته الكبيرة بوصف المدن التي مر بها ، وخاصة مكة المكرمة وآثارها ومعالمها الدينية وأسواقها ومساجدها وغيرها . كما تطرق للناحية الاقتصادية بالحجاز وخاصة المكوس المفروضة على الحجاج في شيء من التفصيل . ولا يفهم من هذا أنه قد أفرد للجانب الاقتصادي مبحثا خاصا ، ولكنه يستنتج من خلال كلامه ومن واقع معايشته هناك . وحفلت رحلته بالمدح والثناء على عدد كبير من الأموات والأحياء لصلاحهم وتقواهم « 3 » .
--> ( 1 ) ابن جبير : الرحلة ، ص 52 . ( 2 ) كراتشكوفسكي : تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، ج 1 ، ص 229 . ( 3 ) كان المسلمون في تلك الفترة يعتقدون بالصالحين والأولياء وخاصة الميتين منهم حيث كانوا يشيدون لهم الأضرحة ويتقربون إليهم بالدعاء وهذا في الواقع بدعة منكرة وغير مقبولة فالدعاء والعبادة لله وحده .