جي آر ويلستد
46
رحلات في الجزيرة العربية
تركوه ينمو ليصل إلى خواصرهم وأشبعوه بالمادة الدهنية ، فكان يقيهم إلى حد ما حرارة الشمس الشديدة . ولم يستخدموا أي غطاء آخر . بعد مغادرتنا البلدة ظلوا يلازمون بعضهم بعضا ، أما الآن فقد باتوا يتحركون في جميع الاتجاهات يطارد أحدهم الآخر بصرخات مدوية عبر الحقول . واصلنا تقدمنا على هذا النحو فوق أرض مستوية ، تقطعها آثار تيارات ماء عديدة ، حوالي أربع ساعات بعدها عبرنا سلسلة ضيقة وواطئة من تلال كلسية . وفي غضون ساعتين أصبحنا وسط بعض الهضاب التي نمت فيها بكثرة أشجار الصمغ العربي . ولا يتم إلا جمع القليل من هذه المادة في هذا المكان لأن البدو تذمروا من أن سعره في مسقط لا يوازي عناء جمعه . وفي الساعة الرابعة والنصف توقفنا قرب بعض آبار الماء المالحة قليلا . كان طريقنا يتجه حتى الآن صوب الجنوب والجنوب الغربي وقطعنا منها اثنين وأربعين ميلا . كانت هناك مجموعة من السكان المحليين انضموا إلينا حال توقفنا فأرسلوا لجلب الرز والتمور . في هذه الأثناء أضرمنا النار تحت شجرة ضخمة . وانتظرنا عودتهم لطبخ الطعام وعند رجوعهم بدأ أعداد الطعام بعد أن تأخروا حتى غروب الشمس . كان الطعام شهيا جدا . لم يكن عندي خادم ولا أمتعة وكنت أفكّر بأن تحقيق أهداف رحلتي ، وأنا بينهم حتى لوقت قصير ، إنما يكون بمسايرتهم في أسلوب معيشتهم . ولم تخيب النتائج ظنوني . فوسط هذه القبائل كلها ثمة سحر موروث تكون فيها تفاصيل الحروب والغزوات التي يشتركون فيها والتي أشترك فيها أجدادهم جزءا مثيرا وجذابا جدا . كما تذكر مآثر جواد أو جمل أثير بنفس الدرجة من الحماس . جلست أحتسي القهوة وأصغي لسردهم هذه الحكايات حتى ساعة متأخرة جدا . وفي أثناء الليل ظلت بعض كلاب الحراسة ساهرة حول المخيم « 1 » .
--> ( 1 ) لا يزال البدوي يحتفظ بحب جياش للغناء ، وهو مما يتميز به أهله . وسواء أكان العربي يرعى القطيع أو يزجي الوقت في رحلة مملة أو يجلس حول النار بعد تناوله طعامه وشرابه في السماء ، فإنه يطلق دوما عقيرته بالغناء ويكون موضوعه إما الحب أو الحرب . وغالبا ما كنت أصغي تحت ظلال نخلة ما لإحدى هذه الأغنيات مسليا نفسي ساعات طويلة . ولا يصاحب هذا الغناء إلا ربابة . وعلى الرغم من أن لا شيء أكثر من هذا يمكن أن يكون بعيدا كل البعد عن فكرتنا عن الغناء ، إلا أن عواطفهم وتعبيرهم تناسب المشهد الذي يصفونه إلى حد يثير الإعجاب ، كما أن ذلك يعبر تعبيرا دقيقا عن الطبيعة الغريبة التي تتميز بها أذهانهم . وتتميز موسيقاهم بالجمع بين ما هو خشن وفظ في حين أن حركاتهم بطيئة ورزينة وفي أحيان أخرى مفعمة بالحيوية والنشاط . ويظهرون الوقار والتفكير الحزين تارة بينما يتقافزون غالبا ويشكلون جوقة تصدح بأعلى الأصوات تارة أخرى . ولم أعثر على أسلوب أكيد لإثارة المشاعر الودية تجاهي ، عندما أكون وسط هؤلاء القوم الذين يتصفون بالخشونة ، إلا الإصغاء بكل اهتمام لما يؤدون .