جان لوئيس بوركهارت

20

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

يتجه النهر في مجراه من أسوان لكرسكو من الشمال إلى الجنوب عموما ، ثم ينحرف إلى الغرب ، ويحتفظ بهذا الاتجاه الجديد طوال مجراه إلى دنقلة . وطبقة النهر الشرقية في هذا الجزء من الوادي أصلح للزراعة من ضفته الغربية ، وتراها أينما كان لها عرض يذكر مكسوة بطبقة خصبة من الغرين الذي يرسبه النيل فوقها . أما في الضفة الغربية فإن رمال الصحراء تجتاح الوادي في غير هوادة حتى تبلغ جرف النهر نفسه ، وتحملها الرياح الشمالية الغربية التي تسود الإقليم في فصلى الشتاء والربيع . ولا يتيح السهل الضيق قيام الزراعة عموما إلا في الجهات التي تصد الجبال فيها الرياح الرملية العاتية . لذلك كانت الضفة الشرقية أكثر عمرانا من الغربية ولكن الغريب أن كل الآثار الهامة تقوم على الضفة الغربية . ولعل قدماء المصريين كانوا أشد تدينا وتعبدا لآلهتهم الكريمة في البقاع التي يخشون فيها شدة بطش إله الشر « تيفون » « 1 » ( الذي يمثل الصحراء ) ، العدو اللدود للإله الخيّر أو زيريس ( الذي يمثل مياه النيل ) . ومجرى النهر هنا في جملته أضيق كثيرا منه في أي أجزاء مصر ، واعتراض الشطوط الرملية لسير المياه هنا أقل . وما إن ينتهى الفيضان حتى يزرع النوبيون الفقراء في الوادي الضيق الذرة والدخن ( الذي يصنع منه الخبز ) « 2 » . ولكن جل اعتمادهم في الغذاء على محصول الذرة ، كذلك تصلح سيقان الذرة الجافة طعاما لماشيتهم طوال الصيف بدلا من التبن . وبرسيم مصر لا يعرف هنا ، ولا في صعيدها جنوبي قنا . وبعد أن تنحسر مياه الفيضان وينتهى محصول الذرة ، تروى التربة بالسواقى التي تديرها الأبقار ، فترفع الماء إما من النهر أو من آبار محفورة على الشاطئ ، لأن الماء الباطني موفور في كل مكان بعد الفيضان على عمق خمس عشرة قدما أو عشرين . ومثل هذا تجده في الصعيد صيفا ، ولكن مياه هذه الآبار كريهة المذاق ضاربة إلى الملوحة ، وأفضل أنواعها عسر الهضم « 3 » . ولكي تتشرب التربة المياه

--> ( 1 ) إله الشر عند المصريين هو ست ( وهو تيفون عند اليونان ) ، وست أخو أوزيريس وقاتله ، وعدو هورس بن أوزيريس ( المترجم ) . ( 2 ) لا يزرع الدخن في مصر ، ولكنه طعام أساسي في دارفور وسنار وساحل للبحر الأحمر من جدة إلى اليمن . ( 3 ) للشرقيين ذوق مرهف يميزون به الماء ، وهم يصفونه عادة بالخفة أو الثقل . وكذلك كان الإغريق يميزون بين النوعين .