جان لوئيس بوركهارت
349
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الحج تعتمد مكة وجدة على سواكن ومصوع قبل غيرهما في زادهما من السمن ، وتستهلكان منه المقادير العظيمة ، فجميع الطبقات تأكله ، وإن أشدهم فقرا لينفق نصف دخله اليومى ليحصل على قدر كبير من السمن يطبخ به غداءه ويشرب منه في فطوره ربع رطل على الأقل . وحين كنت مقيما بجدة ارتفع ثمن السمن فوق ثمنه العادي بمقدار النصف لأن سفينتين محملتين من مصوع باعتا حمولتهما منه في اليمن بدل أن تمضيا في الرحلة إلى جدة . كذلك تحمل السفن الحصر المصنوعة من سعف الدوم ، ويأخذ كل مركب منها مقدارا ، وتستعمل في جميع أنحاء الحجاز واليمن حيث الدوم نادر ، وحيث لا ينزل إلى كسب الرزق بالعمل اليدوى إلا القليلون . وتفرش أرض المساجد في مكة والمدينة بهذه الحصر ، وتجدد كل عام تقريبا بفضل هبات الحجاج ، وقل من الحجاج من يبرح مكة بغير حصيرة سواكنية صغيرة مصنوعة صنعا دقيقا على هيئة سجادة يؤدى عليها فريضة الصلاة . ويصنع هذه الحصر البدو في الجبال المجاورة لسواكن . ويصدر إلى جدة نوع صغير من المحار منتشر على السواحل الإفريقية ، ويأكله الأطفال وفقراء الناس على الأخص ، ويسمونه « السر مباق » ، ويزعمون أنه دواء للدوسنتاريا لما له من خواص قابضة . كذلك تصدر الذرة والقرب والحصر للحديدة ببلاد اليمن ، وهي أكبر سوق للجياد التي يجلبها تجار سواكن من وادى النيل . وقد قلت إن شريف اليمن شغوف بشراء الفحول الإفريقية يزود بها فرسانه . والجواد الذي يساوى في شندى خمسة وعشرين ريالا يباع في الحديدة بمائة أو مائة وخمسين ، ولكنها تجارة محفوفة بالخطر ، وكثيرا ما تنفق الجياد في رحلة البحر لافتقارها إلى العناية الصحيحة التي لا تجدها على ظهر مركب ريفى صغير . وتنقل الهجن البشارية - وهي أنجب الهجن قاطبة - على المراكب الكبيرة إلى جدة ، فإذا وصلتها سالمة بيع الهجين منها بستين ريالا إلى ثمانين ، وهو ثمانية أضعاف ثمنها بسواكن . على أن نصف الهجن المشحونة على الأقل ينفق في الطريق ، ويكلف نقل الهجين منها عشرة ريالات . ويشترى تجار سواكن من جدة كل ما تحتاجه الأسواق الإفريقية من