جان لوئيس بوركهارت
338
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الصخور مذبارحت تلال قوز رجب . وتنمو هنا السنامكى بوفرة . ويتفرع في السلسلة اليسرى واد شديد الوعورة ، وفي موسم المطر يصبح وادى شنتيراب سيلا عرما ، وهو لا يقل عن ثلاثمائة ياردة عرضا واثنتي عشرة قدما عمقا . ولما مضينا قدما وجدنا الأرض مضرسة والطريق صخرية جدا ، فكانت الإبل تسير عليها بشق الأنفس . والدرب الذي سلكنا من لنقاى كله مطروق ، ويتصل حتى سواكن . وبعد مسيرة ست ساعات ونصف شمال الشمال الشرقي نزلنا واديا يحفل بالكلأ فانطلقت الماشية ترعاه . وحدث في مسيرنا هذا النهار أن سقط على الطريق جمل لأحد تجار كردفان فنفق ، أما تجار سواكن - وهم كعهدى بهم في كل مناسبة ، قوم لا تعرف الرحمة ولا البر إلى قلوبهم سبيلا - فقد مروا بالرجل دون أن يبدو منهم أي ميل لإغاثته في محنته هذه . وكان جملي أقوى إبل الركب ، فعرضت على الرجل خدماتى متطوعا ، وحملت جملي معظم ما كان يحمله الجمل النافق ، واضطرنى هذا إلى قطع باقي الطريق إلى سواكن سيرا على قدمي . وكان الرجل صاحب فضل سابق علىّ ، فكثيرا ما كان يأمر عبيده بطهو عشائى وجلب الماء لي حين يراني متعبا مكدودا ، لذلك كان فرضا علىّ أن أرد له صنيعه . 20 يونيو - قمنا بعد منتصف الليل ، وسرنا فوق سهل صخرى . ولما أشرقت الشمس علينا رأينا البحر على نحو ساعات منا . وأخذت التربة تبدو شديدة التشبع بالملح ، فاكتسى أكثر سطحها قشرة ملحة تتعمق فيها عدة بوصات . وقد تأثرت فروع الشجر بالهواء المتصاعد من هذه المتربة ، والذي زاده هواء البحر ملوحة فوق ملوحته ، فاسودت كأنها تفحمت ، وتعذر على قطعان الإبل المؤلفة من أربعين جملا أو خمسين أن تجد لها فيها بعض الورق الأخضر تأكله . ولم أر في حياتي إبلا أقرب إلى التوحش مما رأيت هنا ، فقطعانها تنطلق لترعى دون حراسة من ناس أو كلاب ، ولا يبتغى الهدندوة من اقتنائها غير لبنها ولحمها ، أما الحمل فلا يستخدمون له إلا أقلها . وقد روع هذه الإبل اقتراب الناس والجمال المحملة ،