جان لوئيس بوركهارت
339
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ولم أعهد مثل هذا في الإبل من قبل ، فهي في صحارى العرب والشام إذا رأت من بعيد جملا غريبا وهي ترعى أقبلت نحوه تعدو وتطفر ، بل إنها لتطيع في غير عناء نداء الأغراب إذا كانوا من البدو كأصحابها . والإبل التي رأيتها اليوم كانت في جملتها بيضاء كإبل النوبة . والسنط في هذا الوادي قزم لشدة ما يتعرض له من الرياح الهوح . وقد رأيت ضربا متسلقا من الصبير يتطفل على هذا السنط كله ويلتف على بعضه التفافا تاما ويحجبه كأنه شبكة تحيط به . وبعد مسيرة أربع ساعات اتجهنا شمالا بشرق ودنونا من جبل يتفرع في السهل من سلسلة دئيب الرئيسية ، واسم الجبل قنقراب ، وتسكنه أسر من الهدندوة تمد سواكن بالزبد واللبن في الصيف حين ترحل عنها الماشية . وحططنا ساعات الظهيرة على كثب من الجبل ، واشتد كربنا لقلة الماء . فإننا لم نحمل منه يوم 23 إلا قدرا ضئيلا ، واستأجر تجار سواكن - وهم أدرى ببلادهم - عربيا في غفلة منا فجلب لهم من الجبل حمولة بضعة جمال من الماء ، وعبثا توسلنا إليهم أن يعطونا والعبيد حظا منه . وقد يعجز الأوربى عن إدراك مقدار ما يحتاجه المسافر في هذه البلاد من ماء للشرب والطهو والغسل ، ولكنه أحوج ما يكون إلى الماء لإطفاء غليله وترطيب حلقه الذي لا تفتأ تجففه لفحات الهواء المحرقة والسير على الأرض الملتهبة ، وقد يكون مقترا على نفسه في شرب الماء من أيام عدة ، ومن شأن الغذاء الذي يتناوله - وقوامه العجين والسمن - أن يثير أشد الظمأ . وقد درجت القوافل في هذه البلاد وفي صحارى العرب على ألا يشرب أحد إلا حين يقف الركب جميعا دقائق لهذا الغرض . ووقوف قوافل العبيد يكون عادة مرة حوالي التاسعة صباحا ومرتين في العصر والمغرب حوالي الساعة الرابعة والسادسة ، كذلك يشرب الكل أول الظهر إذا حطت القافلة ، ويشربون مرة أخرى عقب الغداء ، ويفعلون مثل هذا في العشاء . وشرب أحدهم في غير أوان الشرب يعرضه لتهمة الضعف والطراوة ، وهم يهجونه بقولهم « فمه مربوط على خشم القربة » ، وهو إلى ذلك تصرف غير حكيم ، لأن فتحة قربتة في غير أوان الشرب يعرضه للجاجة السائلين ، وهي لجاجة ليس من الحكمة دائما أن يرد أصحابها خائبين ، أما إذا وقفت القافلة كلها للشرب فلن يخطر ببال أحد أن يسأله شربة . وإذا كان لمسافر عبيد كثيرون