جان لوئيس بوركهارت
332
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
غليظ في اللحظة التي فطنت فيها إلى قصده ، ولما التقطت الفرع ضحك منى ، ولكن غرضه من تتبعي أصبح واضحا لا خفاء فيه ، لذلك أمرته أن يقف منى بعيدا وإلا حملت عليه ، وهكذا استطعت أن أعود أدراجى وألحق بالقافلة . ولو قتلني الرجل وأخذ ما أحمل من ريالات قليلة - أحسبه غالى في تقدير عددها - لعاد إلى القافلة آمنا مطمئنا ، فما كان غيابى ليحمل أحدا على الاهتمام بالبحث والاستفسار عنى يله الثأر لمقتلى . على أن هذا اليوم كله كان شؤما على ، فبينما كنت أملأ قربتى عند الظهر من الحوض أفلت جملي في غفلة منى - وكنت قد شددت وثاقه إلى شجرة في الوادي - وعاد إلى المناخ في صحبة غيره من الجمال المحملة بالماء . فلما هبطت بقربتى الجبل وجدت الجمل قد أفلت ووجدت رفاقى السود قد عادوا . ولم يرض أحد من الباقين أن أضع قربتى على جمله ، ولما كانت أثقل من أن أحملها على كتفي طويلا فقد اضطررت للعودة إلى القافلة ملتمسا الجمل . وما ملأت قربتى وعدت ثانية إلى القافلة حتى وجدت الركاب قد بدءوا يوسقون جمالهم . وهكذا اضطررت بعد هذا الكد في قيظ النهار إلى معاودة السير من فورى دون أن أصب طعاما ولا راحة . والحق أن التجار الذين يصطحبون معهم عددا من العبيد ينعمون براحة يحسدون عليها ، فالعبيد يضطلعون بالطهو وحمل الماء ووسق الإبل ، وليس على السيد إلا أن يرتب الأحمال ويستوثق من أن شيئا من بضاعته ومتاعه لم يترك . وهو ينعم ساعات القيلولة بنوم هادىء رخى تحت مظلة من الحصر ينصبها له عبيده فلا يوقظونه إلا وقد أعد كل شئ وتهيأ الركب للرحيل . وقد نفعني غلامي الصغير في هذه الرحلة في جلب الخشب وإضرام النار ، أما الطهو وجلب الماء من بعيد ووسق الجمل فهذا كله كان ملقى على عاتقي . وفي هذا الوادي بعض أسر فقيرة من الهدندوة تخشى أن تهبط إلى السهل فتتعرض لغارات البشارية . ولما كانت الأمطار لم تبدأ بعد فإن النبات في الوادي المرتفع كان قليلا ، أما السهل السفلى فقد روى مرات . ومضينا في العصر فوق السهل الضيق متجهين شمالا زهاء ساعة ونصف . وهنا التقينا بقافلة صغيرة قادمة من سواكن ميممة التاكة ، وكان هذا يومها