جان لوئيس بوركهارت

333

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

السابع . ولما بلغنا نهاية السهل عاودنا الصعود من واد رملى ضيق اكتسى كله بشجر السدر « * » ، ولم يبق منه مفتوحا للدرب إلا شريط ضيق يشقه في وسطه ، وتكثر التواءات الوادي ومنعطفاته ، وعرضه في أكثره أربعمائة ياردة تقريبا ، ولكنه يضيق في مواضع حتى لا يجاوز المائة ، وتكتنفه من جنبيه صخور شماء براها ماء المطر وحفر فيها أخاديد عميقة . ومررنا في الطريق بكثير من البرك ، فقلت لنفسي ما كان أغنانى عن العناء الذي كابدت في ملء قربى ، ولكن ذلك شأن المسافر في الصحراء ما دام غير خبير بالطريق ، أما الخبيرون بمواقع الآبار أو البرك فيكتمون علمهم هذا ويحضون الجماعة على حمل ما تطيق من الماء . ومن الأقوال المأثورة عندهم أنهم يودون لو حملوا ماء النيل برمته لو أطاقت الجمال حمله . وقد يكون حمل الماء أمرا لا بد منه ولو كانت البئر قريبة ، وذلك إذا لم يكن مقررا أن تقف القافلة بالبئر ، وفي هذه الحالة لا يخطر ببال راكب أن يتخلف وحده لملء قربته . وتنمو أشجار العشر والطرفاء في أكثر من موضع بالوادي . ولكن أشجار السدر كانت تكسوه إلى قمته . ورددت طرفي إلى السهل الذي تركنا ، فرأيت مفازة صخرية مترامية يتحوى فيها شريط من الزرع هو الوادي الأخضر . والأرض الخصبة موفورة في كثير من ربوع الوادي ، فحينما توفر الماء استحالت الرمال القاحلة أرضا طيبة ، وأينما سرحت البصر في الوادي رأيت ما صنعته به السيول ، فقد حطمت جوانب الجبل وزعزعت صخوره العليا وألقتها هشيما من حوله وبعد أن سرنا شمال الشمال الشرقي تسع ساعات - أنفقنا منها أربعا مصعدين في الجبل - جئنا بقعة استوى فيها الوادي بعد أن بلغ ذروته ، وانبسط مدى خمسمائة ياردة ، فحططنا فيها رجالنا ، وكنا قد التقينا بعدة أسر من الهدندوة قرب برك الماء ، ولما كنا نعرفهم لصوصا مهرة فقد قر رأينا على مواصلة السير إلى هذه البقعة لأننا استبعدنا أن يتبعونا وراءها في الغابات . وأكد لي رجل من رجالنا

--> ( * ) بين هذه الشجرة وشجرة الشربين Isrch شبه شديد ، وكثيرا ما رأيتها بالحجاز ، وهم يولدون النار بحك أغصانها الجافة بعضها ببعض .