جان لوئيس بوركهارت
325
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
التي ينفق عليها من أموال المساجد « * » لاستضافة التكارنة المارين بها ثلاثة أيام ويصرف لكل تكرورى في إسنا قرش واحد عند رحيله من الجامع . ويجتهد الحجاج المملقون في أن يكسبوا من المال بالعمل اليدوى أو بكتابة التمائم ما يؤدون به نفقات الرحلة من القصير إلى جدة في موسم الحج ، فإن لم تتيسر لهم أداها عنهم بعض الخيرين من حجاج الترك . وأكثرهم يسلك طريق القصير ، ولا يزور القاهرة منهم إلا قلة برغم وجود رواق بالأزهر الشريف تقدم فيه الفتة يوميا لعدد لا يتجاوز أربعين في ظني ( وقل أن يجتمع منهم أكثر من هذا العدد إلا في موسم الحج ) . والمارون منهم بالقاهرة يتخذون طريق قافلة الحجاج الكبرى إلى مكة ، وعند أمير الحج أوامر مشددة من السلطان بتقديم الطعام والشراب لكل زنجي لا يملك دابة . وأعمر الطرق بالحجاج الزنوج الطريق من الدامر سيرا مع المقرن حتى التاكة ومنها إلى سواكن . ولست أغالى إذا قدرت عدد المسافرين منهم بهذا الطريق كل سنة بخمسمائة . وهم لا يسافرون في أفواج كبيرة كما قلت ، ولكنك تلقى منهم الجماعات القليلة كل يوم تقريبا سائرة على ضفاف النهر . ويبتاع القادرون منهم الحمير من الدامر ويوسقونها دقيق ذرة لزادهم في الطريق . ويسير هؤلاء في جماعات من عشرين ، فإذا حاول قطاع الطرق الاعتداء عليهم في الطريق قاوموهم أشد المقاومة مستعينين عليهم بعصيهم . أما في القرى أو المضارب فهم مطمئنون إلى حماية الشيخ أو على الأقل واثقون من أن زادهم ودوابهم لن تسرق منهم . فإذا بلغوا التاكة ساروا مع القوافل إلى سواكن وفيها ينتظرون مركبا يقلهم إلى جدة . وتختلف أجرة المركب من ريال إلى ريالين . وحين كنت بسواكن رأيت فيها فوجا من خمسين حاجا على الأقل يقفلون راجعين إلى التاكة لأن أصحاب المراكب الراسية في الميناء
--> ( * ) يشتهر الأزهر الشريف بمؤسساته الخيرية التي أوقفت لمساعدة المسافرين الفقراء من مختلف الشعوب . ففيه أروقة خاصة بأهل الصعيد ، والزنوج ، والمغاربة ، والحبش ( أو الجبرت كما يسمونهم ) واليمنيين والهنود ، والأفغان ، والسليمانيين ، والبخاريين ، والفرس ، والكرد ، والأناضول ، والشوام . ويقوم على كل رواق عالم من كبار علماء القاهرة . وشيوخ الأروقة هؤلاء هم الذين تتألف منهم هيئة علماء الأزهر ، وهي هيئة طالما جعلت الولاة يرتعدون فرقا .