جان لوئيس بوركهارت
326
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
لم يرضوا بأقل من ريالين أجرا لكل راكب . وقد عرض التكارنة ريالا عن الرجل منهم فأبوا ، لذلك رحلوا عن سواكن قافلين إلى التاكة ومنها يذهبون إلى مصوع وهم على ثقة من أنهم واجدون فيها من يقلهم إلى شاطىء اليمن بريال واحد ، وهو قصارى ما يستطيعون دفعه . ففي سبيل هذا الريال أزمعوا رحلة تقتضيهم على الأقل ثلاثين يوما ، وقد قدروا أن في استطاعتهم تغطية نفقاتهم بالعمل أو الاستجداء في مثل هذه الطريق العامرة . فأنت ترى أن المسافات والأبعاد لا حساب لها عند هؤلاء الحجاج ولا عند أهل هذه البلاد عموما - من البدو كانوا أو من التجار - فهم لا يعبأون بمشقة السفر ولا وعثائه ، وهم أقل احتفالا بالوقت أو اكتراثا لضياعة ، وهمهم الوحيد هو الكسب المباشر والقصد في النفقة . وسأسوق إلى القارئ في معرض الكلام عن سواكن ملاحظات أخرى عن رحلة هؤلاء الحجاج بالبحر ، وسأعود إلى هذا الموضوع عند وصف رحلتي إلى الحجاز فأذكر ما يفعل التكارنة بعد وصولهم شبه جزيرة العرب . ولعل القارئ يدرك لأول وهلة أن ما يكتنف الرحلة من مكاره وأخطار يقضى على حياة عدد كبير من الحجاج ، فسدسهم تقريبا يلقى حتفه من جراء هذه الغيرة على الدين . وأكثر الأمراض التي تعتريهم في الطريق ناجم عن عدم توفر الملبس لديهم ، ويهلك منهم نفر جوعا وإعياء ، ونفر آخر يقتل ، ولكن هذه الحوادث لا تفت في عضدهم ، ولا تحولهم قيد شعرة عن هدفهم ولا تنقص من عدد من يحجون منهم كل عام ، فضحايا الرحلة إنما استشهدوا في سبيل اللّه . وأكثر الحجاج من الشباب الأشداء ، ولكنك قد تجد بينهم نساء يتبعن أزواجهن إلى مناسك الحج . وكان في الركب حاج مكفوف - وهو أمر لا يكاد المرء يصدقه - انضم إلى القافلة في التاكة ، وكان قد غادر وطنه برقو - غربى دارفور - في صحبة ثلاثة من رفاقه ، وكان يستعين على السير بعصا يقوده بها واحد منهم وهو يتقدمه . ورأيت هذا المكفوف يستجدى في المسجد الحرام بمكة وفي مسجد المدينة وهو جالس على العتبة ، وكان يستدرّ عطف الحجاج وإحسانهم حين يقول لهم إنه ضرير ، ولكن نور كتاب اللّه وحب نبيه الكريم أضاءا روحه وهدياه السبيل