جان لوئيس بوركهارت
311
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
لقتلاها . ذلك أن أقرباء القتيل إذا قبضوا على قاتله أولوا وليمة لأفراد الأسرة وجاءوا به في وسطهم موثقا على عنقريب ، ثم ذبحوه بشفرة ذبحا بطيئا وهم يتلقون دمه في قدر تدار على الحاضرين فيشربون من دم الضحية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة . ولست أستطيع الجزم بصحة هذه الرواية وإن يكن كثيرون قد أكدوا لي حقيقتها ولم أسمع أحدا ينفيها . ولعلى كنت قادرا على معرفة بعض عادات هؤلاء الهمج لو كنت ملما بلغتهم أولو لقيت منهم عددا كبيرا يتكلم العربية ، إذ لا يكفى في ذلك أن أجد منهم واحدا أو اثنين يعرفان العربية ، فهم لا يطيقون إرهاقهم بالأسئلة ما لم يكن في الإجابة عليها مغنم ، ومثلي لا أمل له في الحصول على معلومات كهذه إلا بالإنصات إلى حديث القوم بعضهم مع بعض ، أو بمحاولة الاستطراد بهذا الحديث إلى هدفه هو على غير وعى منهم . وقد ابتلى أهل التاكة برذيلة أخرى فوق الغدرو الخيانة ، وهي ولعهم الشديد بالسرقة . وقد أصابنا جميعا شواظ من هذا الولع ، ولكن أشدنا اكتواء بنارهم كان سواكنيا ينزل خيمة بدوي كبير في الدوار ، فقد شرطوا جرابه الجلدي في الليل وسرقوا منه مائة أوقية من الذهب . وكنا كل صباح نكتشف سرقة توافه من متاعنا ، ولكنا اتخذنا من أسباب الحيطة والحذر ما استحال معه عليهم أن يسرقوا الأشياء الثمينة دون إيقاظنا . وكنت يوما في السوق أكيل بعض الذرة فإذا رجل ينشل من فوق كتفي فردات دمور أعرضها للبيع ، ولم أفطن إلى السرقة لتوى مع أن الواقفين جميعا رأوا الرجل وهو يفر بها . وما إن اكتشفت فعلته حتى اقتفيت أثره ، ولكني وجدته يحمل سلاحا ، ووجدته لي قريعا بل أكثر من قريع ، ثم إن بعض القوم انحاز إلى صفه ، لذلك رأيتني محظوظا حين استعدت منه ثلثي ثمن الدمور ذرة ، واحتفظ اللص بالباقي مكافأة له على ما كابد من عناء في سرقة الدمور كله . وقد أصبح سكان التاكة أهل حرب وقتال بفضل ما بينهم من تناحر ، وما بينهم وبين البشاريين أعداء جنسهم من خصومة لا هوادة فيها . وسلاحهم سلاح أهل وادى النيل ، ولا يعرفون في حربهم سهاما ولا قسيا . ويقتنى شيوخهم الجياد ويلبسون الزرد . وهم فيما يقال شجعان صناديد ، ولكني لم