جان لوئيس بوركهارت

312

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

أر آثار الجراح إلا على ظهورهم ، ومثل هذا رأيته عند أهل النوبة جميعا . فلم ألق منهم رجلا يحمل ندوبا على صدره ، أما ظهور أكثرهم فتحمل ندوبا كبيرة يبدو أنهم فخورون بها . ويقال إن الدرق يدرأ عن جنوبهم الطعنات . ووجدت عندهم عادة كنت في رحلتي إلى دنقلة قد سمعت بوجودها بين البشاريين ، ذلك أنه إذا ازدهى شاب آخر ببسالته الفائقة ، استل هذا مدية فطعن بها ذراعيه وكتفيه وجنبيه ، ثم أعطاها لذلك التياه الفخور بشجاعته ، فيضطر هذا - نزولا على قواعد الشرف عندهم - إلى طعن جسمه طعنات أغور من طعنات صاحبه ، فإن لم يفعل كان لغريمه قصب السبق . وما من شك في أن القوم أشداء لا تدانيهم في قوة البأس وصلابة العود قبيلة ممن عرفت من البدو . ويكاد غذاؤهم في الشتاء يقتصر على اللحم واللبن ، أما الخبز فلا يصببون منه إلّا أقله ، وإلى هذا يعزون قوتهم . ولا يروّعهم من الأمراض سوى الجدري ، وقد اجتاح قبيلتهم في العام الماضي ولم يفارقهم بعد تماما ، فما زال مضرب من المضارب القريبة موبوءا به ، لذلك قطعت المواصلات بينه وبين سائر المضارب المحيطة به . وأول من جلب المرض إلى هنا التجار السواكنية ، ثم انتشر من هذا الإقليم إلى سائر بلاد النيل . وعلى أطراف الصحراء قرية تدعى سوق الهدندوة ( ويستعمل الأهالي في لغتهم كلمة « سوق » العربية ) ، وتقع على ربع ساعة من دوّارنا ، وهي مقر الشيخ الأكبر لهدندوة التاكة . وفي كل أسبوع تقام على الرمال المنبسطة خلف القرية سوق يؤمها العدد الغفير من البدو والريفيين . وقد زرتها مرتين فكنت بين الوافدين عليها مبعث دهشة بالغة ومصدر تسلية كبيرة لما رأوا في منظرى من غرابة وطرافة . على أنني كنت على الدوام أثير في النساء من الاحتقار والتقزز أكثر مما أثيره في الرجال . ورافقني إلى هذه السوق مساكنىّ من التجار السود فبعنا فيها سلعا مختلفة جلبناها من شندى وتقاضينا ثمنها ذرة ، وهي العملة المتداولة هنا . وقل أن تجد في التاكة بدوا يرضون بالريال عملة ، ولكن الطلب شديد على الدمور . وقد