جان لوئيس بوركهارت
310
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وهذا أدعى إلى الدهشة لأنه نقيض ما ألف البدو ، فالبدوى يعنى أشد العناية بحاجات الغريب ، ويبدو أن البخل على الغريب صفة تفرد بها الهدندوة والسواكنية ، وآية ذلك أنني لم أستطع أن أحصل من القرية القريبة من دوارنا - وفيها تنصب السوق - على قطرة من الماء دون أن أؤدي ثمنها ذرة ، كذلك اضطررت في دوارنا إلى دفع إيجار حصير لأجفف عليها شيئا من دقيق الذرة دقائق معدودات . ويشكو الحجاج الزنوج المساكين الذين يمرون بالتاكة في طريقهم إلى مكة مر الشكوى من بخل القوم على الغرباء ، وكان بعض هؤلاء الحجاج ملمين بالدوار ونحن به ، وكانوا يطوفون في العشية بصحافهم الخشبية فيستجدون القوم قليلا من الخبز وهم يتعشون ، فما كانون يستطيعون أن يظفروا من مائتي خيمة بما يكفى لعشائهم . وكنت ورفاقى نضطر لاستضافة اثنين منهم أو ثلاثة كل عشية . والملاحظ أنه إذا انعدم الجود والسخاء في قوم اتسع المجال لكثير من الرذائل والدنايا . وتلك حال أهل التاكة ، فخراب الذمة يؤثر عنهم كما يؤثر البخل . والتطاحن والتناحر لا ينقطعان في صفوفهم ، ولكنهما لا ينتهيان بالعداء السافر بل بحرب خائنة غادرة يحاول فيها الرجل أخذ عدوه على غرة والفتك به غيلة . وتراهم مدججين برماحهم وسيوفهم ودرقهم حتى في دوارهم ، فإذا ابتعدوا عنه لا يسيرون إلا جماعة . وقد قتل مجهولون رجلين منهم في أثناء مقامي عندهم ، ولم يكن رجال القافلة يجرءون على الخروج من الدوار إلا في جماعات كبيرة . وكان من عادتنا في المساء أن يلتئم شملنا في قافلة صغيرة لنمضى إلى الآبار نملأ منها قربنا حريصين على أن يلزم بعضنا بعضا قدر الاستطاعة . والقوم لا يعتبرون الخيانة جريمة ولا عارا ، ولا يجد الرجل من الهدندوة عيبا في المفاخرة بذمته الخربة ما دامت أعانته على نيل مأربه . وأهل التاكة - على ما زعم لي السواكنية - قوم لا يتقيدون بأيمان ولا يرتبطون بعهود ولا مواثيق . وقد يتحرجون من الحنث بيمين واحدة لا ثاني لها ، هي قول الرجل منهم « وحياة عافيتى » . وقل أن يتردد أحدهم في الفتك بصاحبه في الطريق طمعا في أتفه الغنيمة ما دام يرى نفسه في مأمن . وهم يثأرون لقتلاهم ما استطاعوا إلى الثأر سبيلا . ورووا لي نبأ عادة منكرة جرت عليها قبيلة الحلنقة - وأصلها من الحبشة - في ثأرها