جان لوئيس بوركهارت
309
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
بدو الحجاز أيضا . وفي الخيام يعلقن الحلى المختلفة من الودع الأبيض المجلوب من البحر الأحمر مختلطا بريش النعام الأسود . ونساؤهم سافرات ، ولا تجد المرأة غضاضة ولا حرجا في لقاء رجل في خيمتها ، ولا تحس عارا إذا رؤيت تتحدث معه في غياب بعلها . على أن هذا لم يقع لي قط ، فكلما أقبلت على خيمة تلقاني النسوة بصيحات عالية وأشرن إلىّ بأيديهن أن أغرب عن وجوههن فورا . ولم يرعهن منى أكثر من لحيتي وشاربي ، ذلك لأن لحى البدو لا تطول ولا تغزر ، وهم يقصرون شواربهم لأن إرسالها عيب ، وهو إلى ذلك عنوان البذاذة كاللحية الطويلة عند الأوربيين . ووجدنا في كل قرية تقريبا رجلا أو رجلين أديا فريضة الحج ، وكانا يقومان بما يقوم به الفقهاء من مهام . هؤلاء الرجال وحدهم هم الذين يهتمون بإقامة شعائر الدين ، أما سائر القوم فأجهل الناس بشرائع الإسلام وتعاليمه . فهم من بعض الوجوه يقلبون هذه التعاليم رأسا على عقب ، فيأكلون مثلا دم الحيوان المذبوح بأن يضعوه على نار حتى يجمد ، وبعد ذلك يرشون عليه الملح ويصبون عليه السمن . وأفضل دماء الحيوان وأصلحها لهذا اللون من الطعام دم البقرة . وهذه الأكلة يعرفها أهل دارفور كما يعرفها أهل التاكة على ما علمت من الرقيق الدارفوريين . ولا يأكلون من اللحم نيئا غير الكبد أو الكلى ، وكذلك يأكلها بالملح البدو من الأعراب وأهل الشام . ومن ألذ الأشياء عندهم أكل نخاع البقر نيئا . وحين تكون ماشيتهم قرب مضاربهم ترى طعامهم لا يكاد يخرج عن اللبن لا سيما لبن الناقة . فإذا اجتمع منهم نفر وضعوا قدرا منه على الأرض وسطهم ثم أديرت عليهم القدر كل خمس دقائق تقريبا فيرشف منها كل منهم رشفة . فإذا فرغت ملئت ثانية ، وهكذا دواليك ما دام الضيوف موجودين . وفي الهدندوة كسل مفرط ، فالرجال يكلون شؤون البيوت لنسائهم وعبيدهم وينفقون سحابة نهارهم إما في التسكع والزيارات الفارغة للجيران ، أو في البيوت متكئين على العنقريب يدخنون الأعواد ويعاقرون الخمر حتى يثملوا بها قبل النوم . وهم فيما بينهم كرام أسخياء ، ولكني لم أر أشح منهم ولا أبخل على الغريب ،