جان لوئيس بوركهارت

307

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

الخروج من هذا السياج في أثناء الليل ، وهو من القوة بحيث يمتنع على السباغ التي تجوس الأرض طوال الليل ، وتملأ الفضاء بعوائها المنكر الذي يجيب عليه الكلاب من داخل المضرب بنباح متصل . ويندر أن يقتل القوم أسدا أو نمرا في هذه الأرجاء ، فإذا فعلوا فدفاعا عن النفس ، ذلك أن الأهالي لا يعرفون من السلاح إلا السيوف والرماح « * » ، وهو لا يعينهم كثيرا على الفتك بملك الغابة الذي استطاب سكنى الإقليم فيما يبدو . ويحتفظ بعض الشيوخ بجلود الأسود في خيامهم ، ولكنهم قلة لا تذكر . ويخيل إلى أن هذه الجلود متوسطة الحجم ، ولكن الأسد في هذه النواحي - إذا صدق الهدندوة - قد يدانى البقرة حجما ، وكثير ما تفتك هذه الأسد بالناس . والغابات حافلة بالذئاب والغزلان والأرانب ، ويرى البدو القصص عن الأفاعي العظيمة التي قد تفترس الأفعى منها خروفا برمته . ولكن ليس بين وحوش هذه الغابات ما هو أشرس من البجاوة أنفسهم . ويقتنى هؤلاء البدو الحمير الكثيرة . ويقال إن الزراف يكثر جدا في جبال النقيب ، وقد رأيت في خيمة رجل من الهدندوة قطعة من جلد زرافة . والجراد كثير في التاكة ، ويبدو أنه يتوالد فيها ثم ينتشر منها لسائر أرجاء النوبة . ولا تستطيع أرجال الجراد مهما تكثر أن تأتى على كل أخضر في الإقليم كما تفعل أحيانا في مصر والشام . وما رأيت منه كان أكبر حجم عرفته ، وأجنحته العليا حمراء والسفلى صفراء . ويحفل الشجر بالحمام والأسراب الكبيرة من الغربان . ولا أذكر أنني رأيت هناك طيرا زاهى الريش . ويجمع الصمغ العربي من السنط ويباع في سواكن لتجار جدة ، ومن جدة ينقل إلى مصر ، ولكنه ردئ النوع ، ولعل هذا راجع لرطوبة التربة ، فإن أجود أنواع الصمغ يؤخذ من أجف الصحارى . وبدو الهدندوة - ولم أر من أهل التاكة غيرهم - ينتمون إلى نفس الجنس الذي ينتمى إليه البشاريون وسائر النوبيين الشرقيين ، ولهم قسماتهم

--> ( * ) كذلك حال التجار السواكنية فهم لم يألفوا استعمال الأسلحة النارية . وقد يمر بهذا الطريق بعض العرب المسلحين بالبنادق البسيطة في صحبة قوافل سواكن قاصدين شندى أو سنار .