جان لوئيس بوركهارت
292
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الحال مطمع لا شك فيه - بل في معاملتهم للحجاج الزنوج المساكين الذين يمرون من هنا في طريقهم إلى التاكة ، فهم يشكون مر الشكوى من سكان عطبرة الذين تحجرت قلوبهم وخلت من كل أثر للرحمة . ويزرع القوم الذرة وقليلا من اللوبيا في الغابات القريبة من النهر دون أن يمهدوا لها التربة أي تمهيد . وهم لا يعرفون السواقي ، وتمتد الأرض الخصبة على ضفتي النهر على مسافتين متساويتين ، ولكن الضفة اليسرى خلو من الزرع لما يقوم به عرب الجعليين من غارات للسلب والنهب . ويجلب القوم زادهم من التاكة في السنوات التي لا يفيض النهر فيها على ضفافه . وتنمو الأشجار التي رأيتها على الضفة الغربية قرب القرية ، وأكثرها نبق ، وثمره موفور حتى أنهم يطعمون عليه الجمال أحيانا . وينمو العشر بين الشجر الكبير ولا يكاد يترك لزراعة الذرة متسعا . وكانت تحوم في الجو أسراب كثيرة من الحمام واليمام ، ولها عدو كثير العدد هو ضرب من النسر لا يكبر الرخم المصري إلا قليلا ، وجسمه أسود فاحم ورأسه عار من الشعر تكسوه حمرة أرجوانية قاتمة كرأس الديكة الرومية . ويزعم البشاريون أن غاباتهم تحفل بالنمر ، وأنهم يصادفون فيها الحيات الكبار أحيانا ، ولكني كنت أعبر الغابات يوميا لأستقى من النهر فلا تقع عيني على حيوان من ذوات الأربع اللهم إلّا جيوشا من الجرذان السمينة تسرح وتمرح بين جذور الذرة المتخلفة في الأرض . وكان العبيد يقتلون منها الكثير ويلتذون أكله ، ولا تجد للنمل الكبير الذي يقال إنه يسبب أذى كبيرا في كردفان ودارفور أثرا في أي بقعة شرقي النيل . وتظهر التماسيح في النهر وقت فيضانه ، ولكنك لا تجد فيه أفراس النهر ، أما الخرتيت فلا يعرفونه . وماشية البشاريين ماشية طيبة النوع كثيرة العدد . وحين ألممت بهم كانوا قد أرسلوا إبلهم إلى الجبال الغربية ترعى فيها الكلأ النضر عقب هطول المطر عليها . أما جمالنا فكنا نسوقها كل صباح إلى الغابات لترعى أغصان السنط . وكانت قطعان الضأن والماعز تساق إلى الجبال بعد أن سيقت إليها الإبل . وابتعنا كبشين كبيرين بدمور يساوى ريالا . ويقتنى شيخ البشاريين وبعض أقاربه الخيل ويلبسون الزرد ، ولكل خيمة عندهم حماران .