جان لوئيس بوركهارت

293

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ويتصل عطبرة بالمقرن على مسيرة يومين من هذه القرية ، وبعدها يسمى الملتقى بالمقرن . ويقال إن منبع المقرن في جبال البشارية ، ولكن ماءه في الصيف يكاد ينضب . وهو حتى في موسم المطر لا يبدو أكثر من مجموعة سيول ، ولا يخترقه الطريق المباشر من هنا إلى سواكن ، وهذا دليل واضح على أن مجراه لا بد أن يكون أبعد إلى الشمال مما تجده عادة في الخرائط . وقد أسلفت القول إننا لم نجد في عطبرة من الماء إلا قليلا جدا ، ولا بد أنه من أسابيع كان جافا تقريبا ، لأننا لم نجد في قاع ملتقى النهر - حين عبرناه قرب الدامر - إلا بركا راكدة الماء . وفي أثناء مقامنا بعطبرة كانت السماء تمطرنا بالليل رخات خفيفة ، أما النهار فكان ملبدا بالغيوم ، وكثيرا ما كان الضباب ينتشر في الصباح . وفي الثالث والرابع من يونيو هبط مستوى النهر فجأة فإذا أكثر مجراه جاف ، وقد لحظت بعد ذلك في طريقنا إلى التاكة أن مقدار الهبوط كان على الأقل قدما . ولا تعلو ضفافه عن خمسة وعشرين قدما . ولم أقس عرض النهر ، ولكني أقدر ، حسبما انطبع في ذهني حين رأيت مجراه ، أن ما بين الضفتين لا يزيد على أربعمائة خطوة أو خمسمائة ، وكان تيار الماء من الضعف بحيث لا تكاد تتبينه . وإذا مات لنساء عطبرة قريب عزيز حلقن رؤوسهن حدادا عليه ، وهي عادة جرى عليها كثير من القبائل العربية المشتغلة بالفلاحة في صعيد مصر . والثأر قانون البشارية الذي لا يعرفون فيه هوادة على ما علمت ، وقبائلهم لا يفتر لها حرب ولا قتال ، وأعداء جنسهم الشكرية من ناحية والهدندوة من ناحية أخرى . وجيران الحمداب الساكنين عطبرة هم قبيلة بنى كرب في مصعد النهر صوب قوز رجب ، وقبيلة البطراب ، وكلاهما بشارى . ويزرع الحمداب شطئان عطبرة الدانية حتى ملتقاه بالمقرن ، وبعد هذا الملتقى تبدأ أملاك الجعليين . وتقطع المسافة من هناك إلى بربر في أربع مراحل طوال ، ولكن الدرب لا يكاد يطرقه أحد ، فلا تعدو البلاد التي يتصل بها القوم شندى وقوز رجب والتاكة وبشارية الجبال الواقعة إلى الشمال منهم . وبعد أن مكثنا بعطبرة ثلاثة أيام أو أربعة جبى المك ضريبة المرور من كل فرد حسب عدد عبيده . ويؤدى عن العبد ثوب دمور ، ومثله عن كل حمل مهما احتوى ،