جان لوئيس بوركهارت

286

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

قد طوف في كثير من أنحاء تركيا تاجرا للرقيق ، ونزل القسطنطينية وعاش بدمشق طويلا ( وفي دمشق يشتغل التكارنة فعلة في بساتين سراة القوم ) ، وأدى فريضة الحج ثلاث مرات ، ثم استقر أخيرا بكردفان وانقطع للتجارة فيما بين كردفان وجدة . وقد ذاع صيته بفضل أسفاره وما يتظاهر به من تقى وورع ، لذلك أحسن الملوك والرؤساء لقاءه ، ولم يكن يفوته أن يتحفهم بالهدايا الصغيرة يجلبها لهم من جدة . وهو على إدمانه قراءة القرآن - سواء جالسا تحت مظلة مؤقتة من الحصير أو راكبا على جمله في الطريق - رجل شهوان مبطان لاهم له إلا متعة الجسد ونعيم الحياة الدنيا ؛ فهو ينفق على لذاته كل ما يغلّه رأس ماله البسيط من ربح متجدد بتجدد أسفاره . كان يصحب معه جارية من برقو يؤثرها على سواها ويتخذها من دونهن محظية له ، وقد عاشت معه ثلاث سنوات ، وكانت تركب جملها على حين يسير غيرها من الجواري على الأقدام طوال الطريق « 1 » . أما جربانه الجلدية فقد حفلت بأشهى وأطيب ما حوت سوق شندى ولا سيما السكر والتمر ، وأما مائدته فأفخر موائد القافلة إطلاقا . وقد تسمعه يفيض في الحديث عن الفضيلة والدين فتخاله لا يعرف عن الرذيلة إلا اسمها ، ومع ذلك فهذا الحاج على الذي أنفق نصف عمره في التهجد والعبادة . . هذا الحاج نفسه باع في العام الماضي بنت عمه في سوق الرقيق بالمدينة المنورة بعد زواجه منها بمكة . وكانت الفتاة قد وفدت عليها حاجة من برنو بطريق القاهرة فلقيها على غير انتظار وطلب يدها بوصفه ابن عمها ، وتزوجها « 2 » ، ثم احتاج إلى شئ من المال في المدينة فباعها إلى الجلابة المصريين ، ولم تستطع المسكينة أن تقيم الدليل على أنها حرة الأصل فأذعنت لقضاء اللّه وقدره . وكان القوم في القافلة يعلمون من أمره هذا ، ولكن علمهم به لم ينل شيئا من قدره وسمعته بينهم . كان التكارنة يعاملوننى كما يعاملون أي مسافر غيرى وكما جرى القوم على معاملة المسافرين ؛ فكل مسافر مشغول بتوفير أسباب راحته ، اللهم إلا أن يمد

--> ( 1 ) كان لنفر من التجار السواكنية خليلات ، وهم في العادة يصطحبونهم في أسفارهم . ( 2 ) ابن العم في جميع الأقطار الإسلامية مقدم على غيره إذا طلب يد ابنة عمه .