جان لوئيس بوركهارت

285

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

قافلتنا ما لا يقل عن مائتي جمل حملت بالبضائع ، وعشرين أو ثلاثين هجينا يركبها أغنى التجار دون أن يثقلوها بأحمال أخر ، ونحو مائة وخمسين تاجرا ، وثلاثمائة عبد ، ونحو ثلاثين جوادا مرسلة لسوق اليمن يسوقها العبيد طوال الطريق ، وأكثر البضاعة تبغ ودمور اشتراه السواكنيون من سنار . وكان زمام القافلة بيد رجل كفء من كبار عرب سواكن تربطه رابطة المصاهرة ببدو البشارية والهدندوة الذين يقع طريقنا في أرضهم . ولكنني برغم هذا أحسست أن القوم يتوجسون خيفة من البشارية طوال الرحلة . وكانوا يصدعون بأوامر الرئيس « * » في كل ما يتصل بسير القافلة دون أن يجدوا في ذلك غضاضة أو بأسا . ولم يكن هناك غرباء بين التجار السواكينيين سوى جماعة من التكارنة ( واحدهم تكرورى ) أو التجار الزنوج قوامهم خمسة من السادة وعشرة جمال وثلاثون عبدا على التقريب . وإلى هذه الجماعة انضممت ، ولا عجب فكلنا غرباء يسرنا أن يعاون بعضنا البعض . وكنت أحط إلى جوارهم طوال الرحلة إلى الساحل معتزلا التجار السواكنية الذين انقسموا هم أيضا فرقا وجماعات . وما لبثنا قليلا حتى سرت الألفة بيني وبين رفاقى السود فأدوا لي كثيرا من الخدمات الصغيرة ، وما أحوج المسافر في القافلة إلى مثلها ، ولم أتوان في رد هذه الخدمات بأحسن منها . وهكذا ظللنا طوال الرحلة على تفاهم ووفاق ولا أقول على مودة وصداقة ، فإن مصادقة الفقير أمر يزهد فيه الناس ولو كانوا من الزنج . كان أحد هؤلاء التكارنة من دارفور ، والثاني من كردفان ، وثلاثة قدموا أصلا من برنو ، وقد غادروها من زمن مديد في قافلة فزان ، ومن فزان مضوا إلى القاهرة وكان كبيرهم - واسمه الحاج علي البرناوى وهو الذي تزعم جماعتنا -

--> ( * ) علمت بعد ذلك أن شيخ القبيلة لا يمكن أن يكون رئيسا للقافلة ، ذلك أن العرب درجوا من قديم الزمان على عادة لا تزال سارية في الصحارى الشرقية في الجزيرة ، وهي ألا يولوا شيخ القبيلة قيادة الجماعات المسلحة التي توجهها القبيلة على العدو . وله أن ينضم إلى الحملة إن شاء ، ولكن لواءها يعقد للقائد ، وهي وظيفة تقليدية في الأسرة . ويقول العرب « الشيخ ما يقيد القوم » ولعلى عائد إلى تناول هذا الموضوع في يومياتى .