جان لوئيس بوركهارت
278
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وإذا هو يبعث إلىّ بالعشاء الفاخر مرات ، ويعرب لي عن أصدق أمانيه في أن نلتقى ثانية بمصر في صفاء وود لأنه مزمع أن يتخذ إليها سمته هو وجماعته بعد رحيل العبابدة بقليل ، وأن يصطحب من بين عبابدة بربر خبراء لرحلة الصحراء . أما أنا فقد اتخذت أثناء ذلك أهبتى للرحلة وأعددت لها كل العدة واستفسرت سرا عن قافلة سواكن ، وفي الليلة السابقة لقيامها - وكان يسبق قيام العبابدة بيومين - أحطت شيخ العبابدة علما بخطتى ، واستطعت بهدية صغيرة أن أحمله على مرافقتي لشيخ القافلة السواكنية ، فقدمني إليه بوصفى صديقه وأوصاه بي خيرا . والقوم في مثل هذه الرحلات يعفون المسافر من كل تكليف أو احتفال ، فدابته من تحته وهو حر في السفر مع أي قافلة شاء ، ورئيس القافلة تواق بطبيعة الحال إلى الاستزادة من المسافرين استكثارا للمنفعة وتعزيزا لأسباب الدفاع عن القافلة كلها . أما اعتزامى السفر رأسا إلى البحر فلم يحملني عليه خوف من مغبة الشائعات التي افتراها علىّ الجلابة الدراويون . ولم أر - وأنا في موقفي هذا - كبير مشقة في بلوغي سنار إن شئت أو السفر منها إلى غندار ومصوع ، لأنى أعلم أن التجار الأحباش غادون رائحون بين غندار وراس الفيل حيث يلقاهم التجار السناريون ، فإذا وصلت غندار ووديان الحبشة الخصيبة فلن يعيينى أن أشق طريقي إلى الساحل ، ولكني إن فعلت لن أكون إلا متأثرا خطى پونسيه Poncet وبروس ، وأنا واثق أنه لن يمضى طويل وقت حتى نستكشف كل مجاهل الحبشة لسهولة الوصول إليها نسبيا من البحر . ولكني رأيت أن رحلتي في الإقليم الواقع بين شندى والبحر الأحمر قد تضيف إلى علمنا بإثيوبيا جديدا ، وأن مثل هذه الرحلة المحفوفة بالمكاره لن يقوى على الاضطلاع بها غير رحالة تمرس بتجارب السفر القاسية ، لذلك آثرت أن أقطع هذا الإقليم الصغير نسبيا مخافة أن يطول جهل الناس به . كذلك كنت في اختياري متأثرا أشد التأثر باعتبار آخر هو رغبتي في بلوغ مكة في شهر نوفمبر ، وهو موسم الحج . والحق أن هذا الهدف كان من أهم أهدافى طوال إقامتي بصعيد مصر ، وكان عاملا من العوامل التي حفزتنى إلى الخروج في هذه الرحلة الثانية