جان لوئيس بوركهارت
277
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فاشتريت عقب وصولنا حملا ذبحته لهم ، ولم أضن عليهم بما يشتهون من تبغى . وكنت أختلف إلى السوق بانتظام ، وتعرفت إلى بعض الفقهاء ممن قد أحتمى بهم من شر رفاقى الدراويين الذين لم يكفوا عنى سفاهتهم أينما لقونى . بل إن ابن صاحبي الدراوى القديم ، هذا الذي أوصاه أبوه بي خيرا وشدّد في الوصية ، هذا الفتى بلغ به التطاول علىّ أن بصق في وجهي مرة في السوق لأننى طالبته ملحا برد مبلغ ضئيل من المال كان قد اقترضه منى ثم أنكره بأغلظ الأيمان . والحق أنني لم أكن ألقى أحد هؤلاء الدراويين في طرقات المدينة وشوارعها دون أن ينالني منه السب والإهانة ، ولو ألقيت إلى الأمر بالا لمضوا بي إلى المك وألحقوا بي أشد الأذى لما لهم من حظوة ونفوذ عنده . هؤلاء الدراويون هم الذين أفقدونى بندقيتى كما علمت فيما بعد ، واللّه أعلم بما كانوا يبيتون لي بعد ذلك لولا أن فتق لي ذهني خطة أثمرت لي الخير كل الخير . ذلك أن الشك لم يخامرهم في أن سنار هي وجهتي ، فأنا لم أنبىء أحدا بأنني ميمم شطر البحر الأحمر رأسا . وكانوا لفرط إساءاتهم إلىّ يكرهون أن أعود إلى مصر حيث أستطيع أن أناقشهم الحساب ، وحيث تكفى كلمة تصدر منى لإبراهيم باشا والى الصعيد آنئذ فينكل بهم تنكيلا ، ولو أن هذا ما كان يخطر لهم ببال . وعلى ذلك فقد حاولوا التمهيد لأذاى ، فأشاعوا عنى أسوأ الشائعات بين تجار سنار وقد خالونى مسافرا في صحبتهم ، وقالوا عنى إنني أملك المال الطائل ابتززته في مصر ، وإن سلب بضاعتى لن يكون إلا جزاء وفاقا وانتصافا لأولئك الذين ابتززت مالهم . وكنت الآن قد قضيت بشندى قرابة أسابيع ثلاثة ، وأصحابي العبابدة يتأهبون للعودة إلى وطنهم بعد أن ابتاعوا الكثير من العبيد والجمال ، وكانت هناك قافلة سواكنية على وشك الرحيل أيضا . إزاء هذا أذعت أنني عدلت نهائيا عن متابعة الرحلة جنوبا لأنه لن يفضل معي من المال ما يغطى نفقات سفري بعد بلوغي سنار . وعلى ذلك ابتعت بما تبقى لي غلاما وجملا ، ثم أعلنت أنني قافل إلى مصر مع أصحابي العبابدة ، وهي فكرة طالما أغرونى بها من قبل . هذه الخطة أطاحت بما دبر الدراويون من خطط وحملتهم على تغيير مسلكهم معي بين عشية وضحاها ، فإذا كبيرهم يزورني ويكرر الزيارة - وهو الذي ضربني في الدامر - ،