جان لوئيس بوركهارت

276

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

فلم أر عندهم من الآلات غير « الطمبورة » ، وغير ضرب من المزمار مصنوع من ساق الذرة الأجوف ينبعث منه صوت حزين كئيب ، هذا بالإضافة إلى « النقارة » ويخيل إلى أن هذه النقارة لازمة من لوازم الإمارة في السودان طولا وعرضا ، فهم إذا أرادوا وصف رجل من ذوى السلطان قالوا إن النقارة تقرع أمام بيته ، وفي شندى كانت تدق النقارات أمام بيت المك كل عصر بانتظام . ومن الألعاب التي يؤثرها عرب السودان « السيجة » ، وهي ضرب من الداما يعرفه عرب الصعيد أيضا ، ويلعبونه على الرمل فيخطون رقعة ذات تسعة وأربعين مربعا ، ويختار أحد اللاعبين « كلابه » من كرات من روث الجمال يلتقطها من الطريق ، ويلعب غريمه بكرات من روث الماعز . واللعبة معقدة تتطلب من لاعبها يقظة وانتباها ، وهم اللاعب فيها أن يأكل كلاب غريمه ، ولكن قواعدها تختلف عن قواعد الداما البولندية اختلافا كبيرا . وللقوم بها ولع كبير ، وقلّ أن يقعد شخصان معا دون أن يشرعا من فورهما في خط رقعة السيجة على الرمل . ولا يجد المك نفسه غضاضة في ملاعبة أحقر الخدم إذا أثر عنه حذقه اللعبة . ولا يستاء لاعب إن أعان غريمه متفرج من بين الواقفين بمشورة أو رأى . وقد يلعب بعضهم على قرعة بوظة ، ولكن هذا قليل . ولا يجهل القوم الشطرنج ، ولكني لم أصادف منهم من يلعبه . ولم يقع لي إبان مكثى بشندى ما ينغصنى أو يكدر صفوى . صحيح أن العبابدة الذين ساكنتهم لم يبدوا نحوى كبير عطف أو مودة ، ولكنهم كذلك لم يسيئوا إلى أو يغلظوا لي القول ، وهذا قصارى ما كنت أطمع فيه . وكان وجودي في صحبتهم حمى لي وسترا لأننى سرعان ما اشتهرت في المدينة كلها ، فحرصت على إعلام القوم بأنني أنتمى للأدلاء العبابدة وجماعتهم المبجلة . وغصّ البيت والحوش بالعبيد والجمال ، فقسمنا أنفسنا جماعات يشترك أفراد كل منها في الطعام ، وكان كل منا يؤدى نصيبه اليومى من الذرة للجوارى اللاتي يقمن بطهو الطعام ، وكانت نفقاتنا جميعها تؤدى ذرة . ودأب بعض الرفاق على الاجتماع لتعاطى البوظة ليلا ، أما النهار فكانوا ينفقونه في البيع والشراء . وكنت تواقا إلى استرضاء العبابدة ،