جان لوئيس بوركهارت

275

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

لا تشوبها شائبة مغربية ، وهو ما استرعى التفاتى بنوع خاص ، وهو يدعو إلى الترجيح بأن أصلهم من الشرق لا من الغرب . كذلك تجد في دارفور وكردفان كثيرا من القبائل العربية محتفظة بلغة أجدادها وإن تكلمت رطانة البلاد إلى جانب العربية . ولا يعرف القراءة والكتابة من القبائل العربية إلا قلة لا تذكر ، ولكن الجميع يجيدون الكلام بعبارة واضحة سليمة بل بليغة في كثير من الأحيان ، وليس بالغريب ولا النادر أن تجد فيهم الشعراء الذين يتغنون في قصائدهم بذكر أبطال الحرب على نحو ما يفعل شعراء العرب الشرقيين . وقصائدهم لا تكتب وإنما تتناقلها ألسنة الرواة ، وقد لا يسلم شعرهم من الهنات اللغوية ، ولكنه لا يحيد قيد شعرة عن أوزان الشعر العربي . ويخيل إلى أن ألحانهم دخيلة ، وذلك لأن العرب - ولا أقول البدو - على اختلاف أمصارهم ، سواء منهم عرب العراق أو الشام أو شبه الجزيرة أو مصر ، يغنون ألحانا ذات طابع مشترك بين هذه الأقوام جميعا ، وهي تختلف تمام الاختلاف عن ألحان المغاربة والعرب الزنوج . ولعل غناء العرب الزنوج مأخوذ عن بدو البشارية ؛ فإن أغانى البشارية القومية أقرب إلى أغانيهم من أغانى المصريين . أما العبابدة فقد استعاروا أغانيهم كلها من البشارية ، وهم يغنون بصعيد مصر هذه الأغانى نفسها ، وقد سمعتها كذلك في شندى من تجار سنار يتغنون بها وهم يحتسون البوظة . على أن هناك ضربا من الغناء تشترك فيه هذه الشعوب جميعها ، ألا وهو « الحداء » ، غناء يسوقون به الإبل في مسيرها ليلا على الأخص . والحداء أحب ضروب الغناء إلى البدو في الصحارى العربية ، وقد سمعته على ضفاف الفرات كما سمعته على ضفاف العطبرة . ومن غريب العادات الفاشية بين القوم جميعا أنهم إذا أرادوا نفى أمر أو رفض طلب طقّوا حلوقهم بألسنتهم ، وكذلك يفعلون - بصوت أشد وأعلى - إذا أرادوا التأكيد أو الاستحسان . ويعتبر هذا في تركيا وبلاد العرب ضربا من الوقاحة والإهانة ، أو على الأقل عادة من العادات المبتذلة الوضيعة . كذلك يفرقعون أصابعهم إذا طلبوا شيئا كأنهم يقولون « هات » . وأهل شندى على ولعهم بالغناء لم يؤتوا من العلم بالآلات الموسيقية إلا قليلا ،