جان لوئيس بوركهارت

252

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

لقد أفضت في الحديث عن التجارة لأنها عصب الحياة في هذه البلاد . ولن تجد من القوم أسرة واحدة لا صلة لها بفرع من فروع التجارة ، سواء تجارة الجملة أو التجزئة ، وتستطيع أن تسمى أهل بربر وشندى أمة من التجار بأدق ما في هذه العبارة من معنى . وبقيت لي ملاحظات قليلة أذكرها فيما بلى عن أهم فروع تجارتهم وأعنى به تجارة الرقيق . يبلغ عدد المبيع من الرقيق سنويا بسوق شندى - حسب تقديرى - قرابة خمسة آلاف ، يحمل التجار السواكنيون نصفهم والمصريون ألفا وخمسمائة منهم ، أما مصير الباقين فدنقلة ومواطن البدو الواقعة شرقي شندى تجاه عطبرة والبحر الأحمر . وقد أشرت في حديثي السابق إلى المواطن التي يجلب منها هؤلاء . فموطن المجلوبين من كردفان إلى دارفور في الغالب بلاد يندا وباجه وفتقو وفرتبت الواقعة إلى الجنوب والجنوب الغربى من دارفور على مسيرة عشرين إلى أربعين يوما من كوبى ، وهذه البلاد كلها وثنية ، ولكل منها لغتها الخاصة . ويتجر تجار دارفور مع فرتيت التي تبعد عشرين يوما عن كوبى ناحية الجنوب ، وهي بلاد جبلية يجهل أهلها الزراعة جهلا تاما ولكنهم ذاقوا لذة الذرة والدخن ، وفي سبيل الحصول عليهما - إذا عز محصولهما - يبيعون حتى أطفالهم فيما يروى . وجل العبيد المجلوبين إلى شندى دون الخامسة عشرة . ويقسمهم الجلابون حسب أعمارهم إلى فئات ثلاث : الخماسى ( دون العاشرة أو الحادية عشرة ) والسداسى ( فوق الحادية عشرة ودون الرابعة أو الخامسة عشره ) ، والبالغ ( من الخامسة عشرة فصاعدا ) . وأغلى هؤلاء عندهم السداسى . وحين كنت بشندى كان العبد السداسى يساوى خمسة عشر ريالا أو ستة عشر ، هذا إذا كان جلده يحمل سمات الجدري ، وإلا فثلثى هذا المبلغ لا أكثر . وكانت الجارية تساوى من عشرين إلى خمسة وعشرين ريالا إسبانيا . وكان ثمن العبد الحماسى اثنى عشر ريالا وثمن الجارية خمسة عشر . وقصارى ما يبلغه ثمن العبد البالغ ثمانية ريالات أو عشرة ، ونسبة العبيد البالغين ضئيله لأن القوم في مصر وبلاد العرب لا يركنون إلى عبد لم يربه سيده منذ صغره . لذلك تراهم يكرهون أن يشتروا العبيد الكبار لخدمة