جان لوئيس بوركهارت
230
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وتكتظ السوق بروّادها ويشتد فيها القيظ ويثور الغبار وقت الظهيرة - وهي أحب أوقات البيع والشراء عندهم - حتى إنني كنت أعجز عن البقاء فيها ساعات متصلة ، وكنت أكل أحد رفاقى بما أحمل من بضاعة قليلة . وينبث في أرجاء السوق فلاحون جلسوا بجوار الماء يبيعون منه للظماء من روّاده ، وسعر الماء حفنة من الذرة لشربة شخصين ، ومن الفقراء من يجعل في فناء داره سبيلا للماء يشرب منه من شاء مجانا ، ومنهم من يلحق ببيته زاوية لأن البلد يخلو من المساجد . ولم أر في شندى من مهرة الصناع سوى الحدادين ، والصائغين الذين يصنعون الحلى الفجة للنساء ، والدباغين ، والخزافين ، والنجارين . وإذا أراد رجل منهم أن يبنى بيتا قام هو وأقاربه وعبيده بالبناء يعاونهم بعض الفعلة ، ثم طلب إلى النجار أن يسقف البيت ويصنع أبوابه . ويصنع هؤلاء العرب بأنفسهم كافة ما يلزمهم في شتى مرافق الحياة العادية ، شأنهم في ذلك شأن بدو الصحراء . وليس بشندى نساجون ، ولكنك ترى النساء والصبية وكثيرا من الرجال لا تفارق أيديهم المغازل ، وهم يغزلون خيوط القطن التي يبيعونها لأهل بربر . وتشبه مغازلهم مغازل أهل مصر والشام . ويزرع القطن في هذه الأرجاء ، وهو من المحاصيل التي تنتجها كل البلاد الواقعة على ضفاف النيل ، وإن كان إنتاجها منه ضئيلا فيما عدا الدامر ومنطقة سنار .