جان لوئيس بوركهارت
231
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ويقوم السماسرة بتجارة الجملة في شندى ، وأكثرهم الدناقلة ، ويبدو أنهم أذكى التجار وأحذقهم في هذا البلد . فما إن تصل إلى المدينة قافلة حتى يتقاطر السماسرة على بيوت التجار . ولكن في الفريقين - باعة وسماسرة - من الجشع والحرص ما يمنعهم من إبرام صفقاتهم في سرعة ناجزة . بل إن كل فريق منهم يحاول - حتى بعد إبرام الصفقة - أن يغش صاحبه قبل تسليم البضاعة وأداء الثمن . وإذا أراد فريقان أن يدخلا في اتفاق تجارى ذي بال شاع الخبر وذاع في أرجاء البلدة ، وكثيرا ما حال حسد التجار الآخرين دون عقده . وليس للسلع ثمن مجدد ، والأثمان الدارجة عبارة لا محل لها هنا ، فكل تاجر يبيع بضاعة بقدر ما يتاح له أن يغش المشترى ويرشو السمسار . وقد ألف القوم أن يؤدوا فورا ثمن الشراء ، أو ما يوازيه بضاعة ، وأطول أجل للدفع رأيته كان يومين . وحين يبرمون الصفقة يظهر لك في جلاء أن البائع والمشترى كلاهما يتشكك في ذمة صاحبه . وإذا أرادوا إكراه مدين على تسديد دينه استعانوا عادة بعبيد المك الذين يقومون بمهمة البوليس . على أن الرجل الذي لا يحميه قوى ولا يسنده أصحاب تضيع عليه معظم بضاعته لا محالة إذا تركها تخرج من يده دون أن يتسلم ثمنها فورا . وسأسوق إلى القارئ فيما بلى بيانا موجزا بشتى السلع التي تتبادلها شندى مع مصر وكردفان وسنار وسواكن . على أن قصر مقامي بهذا البلد لم يتح لي جمع أوفى المعلومات وأصحها عن هذا الموضوع . إن أهم ما تستورده شندى من مصر هو السنبل « * » والمحلب ، وكلاهما يشتد عليه الطلب في السودان ، فيتعطر القوم بأولهما ويتطببون ، ويتبلون طعامهم بالثاني وقد يتداوون به . ويبيعهما التجار مخلوطين معا بنسبة ثلاثة أجزاء من السنبل إلى
--> ( * ) السنبل هو Valeriana Celtiea أو Spiga Celtica عند الإيطاليين . ويزرع معظمه في الولايات الجنوبية من الأملاك النمساوية ويصدر من البندقية وتريستا . أما المحلب فيجلب من أرمينيا وفارس ، ويصدر من أزمير وغيرها من موانىء آسيا الصغرى . ويبدو أنه ثمر فصيلة من فصائل التليا Tilia .