جان لوئيس بوركهارت

221

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

يجرؤ على تسديد بندقيته بسندها إلى كتفه . على أن مرأى البندقية يكفى عادة لإرهاب العدو ، وهذا هو المطلوب ، فغاية ما يرجوه الفريقان المتناوشان أن تنتهى المعركة دون أن يراق من الدم إلا أقله ، ولا غرو فإن لناموس الثأربين هؤلاء العرب سلطانا عظيما . وقد عرا بعض بنادق المك نمر من التكسر أو الصدأ ما أتلفها ، ولكنهم لم يجدوا من يقوم بتنظيفها وإصلاحها . فلما رأوني مرة أنظف بندقيتى حسبونى على دراية بهذه الصناعة ، واقترحوا علىّ جادين أن ألتحق بخدمة المك صانعا لأسلحته ، وعرض علىّ المك عبدا وجاريتين وما شئت من ذرة لإطعامهم ، ولم أستطع أن أقنع رسله بجهلي هذه الصناعة إلا بشق النفس . وعلى المسافرين في هذه الأقطار أن يتجنبوا الإعلان عن درايتهم ولو بأتفة الأشياء التي قد يفيد منها الملوك أو يستمتعون بها ، وإلا أكرهوهم على خدمتهم . ولما يئس المك من حملى على البقاء أراد على الأقل أن يستولى على بندقيتى ، فأرسل في طلبها وحجزها عنده أياما ، وألححت أنا في طلب ردها ، فبعث إلىّ بأربعة ريالات إسبانية ، وأمر عبيده أن يقدموا إلى من مطبخه الخاص عدة صحاف من الخبز واللحم . ولما شكوت إلى بعض القوم هذه المعاملة أجابوا أنني قد صرت صديق المك بعد أن أكلت خبزه ، فعار على إذن أن أضع العراقيل في سبيل حصوله على بندقيتى . أما أنا فقد كان أسفى عليها شديدا لا سيما حين جال بخاطرى ما أنوى ارتياده من أقطار . ولكن أربعة ريالات لرجل في ظروفى لم تكن بالمبلغ الهين . ولما يئست آخر الأمر من استرداد البندقية أو الحصول على ثمن أعلى ، قبلت الريالات الأربعة التي عرضها المك مرددا له عبارات الشكر والحمد . وقد يدهش القارئ أن يرى الأسلحة النارية عزيزة نادرة في هذه البلاد برغم سهولة استيرادها . ولكن الواقع أن التجار يخشون حملها لئلا يثيروا جشع الملوك ، وليس من المعقول أن يستطيع التجار عرضها في الأسواق كغيرها من السلع أو أن يستطيع الراغبون شراءها بأسعار ثابتة إلا إذا كثر عددها . ويروع منظر البندقية الريفيين الذين يلمون أحيانا بالمدن التي يفد عليها التجار ، وهي كفيلة بحمل عشرات منهم على الفرار . وأذكر أن عربيا من الجعليين كان يحمل ريش نعام يبتغى