جان لوئيس بوركهارت
222
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
بيعه أتى المنزل الذي نزلت ليبيع بضاعته لأصحابي ، فما إن لمح بندقيتى قائمة في ركن الحجرة حتى هب واقفا وطلب إليهم أن يخرجوها خارجا لأنه يكره أن يظل قريبا من هذا السلاح الفتاك . وقد روى مبعوث باشا مصر إلى سنار بعد عودته منها أن المك عرض مرة فرقة من الفرسان أمامه ، فطلب إليه المبعوث أن يأذن له بعرض شئ من تمرينات المدفعية التركية لأنه كان قد صحب معه مدفعين صغيرين محمولين على جملين ، وثلاثة جنود . وما إن بدأوا يطلقون النار حتى فر معظم الأهالي ، وسقط كثيرون على الأرض مستغيثين . ولم أصادف في هذه البلاد رجلا جرؤ على مسّ بندقيتى إلا إذا كان قد زار مصر أو بلاد العرب من قبل ، وكثيرا ما كان يلجأ فتيان القافلة حين يريدون التخلص من الزوار المشاغبين إلى بندقيتى يمسكون بها ويهددون بإطلاقها عليهم . فإذا كان هذا حال القوم في هذا الإقليم الوثيق الصلة بالأملاك العثمانية ، فما بالك بما يبعثه مرأى الأسلحة النارية من دهشة وهلع في قلوب سكان مجاهل القارة الذين لم تقع عيونهم على شئ منها ، بل لعلهم لم يسمعوا بنبئها قط . وهذا سبب من الأسباب التي تحملني على الاعتقاد بأن فرقة صغيرة من الجند الأوربيين كفيلة بأن تشق لها طريقا في هذه البلاد دون أن تلقى مقاومة إذا تذرعت بالحكمة والصبر . وأحسب أن ثلاثمائة رجل مثلا ، ممن مرنوا على احتمال المناخ المدارى ، يستطيعون أن يوغلوا في شرق إفريقية ، ولن تعترض طريقهم عقبات قوية يؤبه بها من أسوان إلى سنار . وإذا كان مائتان وخمسون من صعاليك المماليك قد فتحوا دنقلة وفرضوا عليها سلطانهم برغم مقاومة الدناقلة والشايقية مجتمعين ، فخليق بقوة مدربة من الأوربيين ألا تخشى بأس هؤلاء الإفريقيين وهم على حالهم من تشتت وانقسام إلى إمارات صغيرة لا رابطة بينها ولا اتحاد . أما ما تلقاه الحملة من عناء السير والحرمان وتقلبات الجو فذلك أمر يستعان عليه بالصبر والتدبر ، وسبيل ذلك التزام ضفاف الأنهار - ولن يعدموا فيها الزاد أو الإبل - ثم تخير المواطن الصحية العالية لقضاء الفصل المطير فيها ، وهو فصل يخلو على أي حال من تلك الأضرار الوبيلة التي تحيق بالمسافرين في الأقطار الغربية من إفريقية .