جان لوئيس بوركهارت
213
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وعندها يزداد انحراف التلال شرقا ، فتترك سهلا عرضه لا يقل عن عشرة أميال . والسهل يزخر بالنباتات البرية تخالطها كل ضروب السنط الشوكي ، وتنبث في أرجائه الأكواخ والنزلات ، وهو منتجع العرب الجعليين ، تسرح فيه قطعانهم من البقر والإبل والغنم . ولهؤلاء العرب بعض السواقي ويزرعون المقادير الكبيرة من البصل يغذون بها سوق شندى ويصنعون أكواخهم من الحصر ، وقد طرقت بعضها ولكني لم أستطع أن أظفر من أهلها بقطرة من اللبن دون أن أؤدي الثمن ذرة . وكانت الأعشاب البرية وأغصان السنط المتدلية تزحم الطريق وتعرقل سير إبلنا المحملة . ومضينا ساعتين أو ثلاثا وسط هذا الإقليم الخصيب ، ثم دخلنا ثانية سهلا رمليا تكسوه أشجار السيال الضخمة ، فحططنا على ضفة النهر العالية ساعات الظهيرة وسقينا الإبل . ومرت فوق رؤوسنا أسراب كبيرة من اللقالق ميممة شمالا . وطوينا هذا السهل الرملي بعد سبع ساعات من قيامنا في الصباح ، ودخلنا بقعة أقل منه اتساعا تدعى بيوضة ، ولكنها في خصوبة السهل السابق . وتشتمل بيوضة على نزلات كثيرة بيوتها من غرفة واحدة تفي بجميع الأغراض . وهنا تقوم مصانع الملح التي تغذى بهذه السلعة جميع هذه الأرجاء حتى بلوغك سنار ، ويجمع العرب التربة أكواما على جانب الطريق ، وهي في هذه المنطقة وفي أميال حولها مشبعة بالملح ، ثم يفصلون الملح عن التربة بغليها في قدور كبيرة من الفخار ، ويغلون الجزء الملح مرة ثانية في قدور أصغر ، ثم يقرّصون الملح المتخلف أقراصا صغيرة مستديرة قطر القرص منها قدم وسمكه ثلاث بوصات ولونه أبيض ناصع ، وله مظهر الملح الصخرى ، ويعبأ اثنا عشر قرصا من هذه الأقراص في سلة ، وحمولة الجمل أربع سلال منها . والملح سلعة هامة في تجارة شندى ، ويشترى تجار سنار المقادير الكبيرة منه لأسواق الحبشة ، ويقايضون عليه بالذهب والرقيق في الجبال المحيطة برأس الفيل ومصانع الملح هذه ملك لأمير شندى ، وكان على النارحين مررت بها عشرون قدرا . ووراء سهل بيوضة ، حيث يدخل الطريق مرة أخرى في صحراء رملية جرداء ، تقوم