جان لوئيس بوركهارت

210

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

هذا الجواب ما يجرح كبرياءه ، فأهوى على كتفي بضربة من عصاه كادت تصرعنى ، وسدد إلىّ ثانية صددتها ببندقيتى ، وهممت بضربه بمؤخرها لولا أن أصحابنا حالوا بيننا وانتزعوا السلاح من يدي . وقد اغتبطت بما فعلوا حين فكرت في الأمر مليا ، فلو أنني ضربت الرجل لأصبته بجرح ولاستفحل الأمر . لذلك اكتفيت بقذفه بوابل من الشتائم تنفيسا لغضبي ، وأنحى عليه الجميع باللائمة ، لا سيما العبابدة الذين جهروا بأنهم لن يسكتوا على أي إهانة توجه إلىّ بعد الآن . ولم أستطع أن أدون في هذه المرحلة ما درجت على تدوينه من مذاكرات ضافية وافية ، وذلك لاشتباكى في هذه المشاجرة ولعدم إمكانى اعتزال الركب خشية أن يهاجمنى اللصوص . وبعد أن بارحنا الدامر دخلنا حرجا من شجر السلم ومضينا في طريق غير بعيد من الأرض الزراعية . وشهدنا على مقربة من النهر عددا من القرى والنزلات منبثة بين أحراج الدوم ، ويسكن هذه القرى عرب المكابراب ، وكانوا يخضعون لأمراء شندى ، ولكنهم استقلوا عنهم منذ زمن طويل ، وهم اليوم يعيشون من محصول أرضهم ومن السرقة . والحرب قائمة بينهم وبين جيرانهم أجمعين ، ويخشى هؤلاء الجيران بأسهم الشديد وما اشتهروا به من بسالة عظيمة ، ولا ينجو المسافرون من سطوهم ما لم يرافقهم فقيه أو أكثر من فقهاء الدامر . وتركنا النيل بعد الدامر بست ساعات شاقين لنا طريقا قصيرا عبر التلال ، فبلغنا حوابة بعد تسع ساعات ، وهذه القرية هي اليوم الحد الشمالي لإقليم شندى . وتمتد حدود شندى قانونا إلى نهر مقرن ، فتدخل في نطاقها الدامر ، ولكن فقهاء الدامر كما مربنا مستقلون . ونعمنا بأمسية بديعة بعد نهار شديد القيظ ، ومضينا جميعا إلى النهر نسبح فيه ، وقد وجدت الحصى يكسو قاعة قرب الشاطئ . وكان مضربنا في ساحة مكشوفة وسط القرية ، وقيل لي إن القرية مأمونة ، فأخذت بعض المسابح لأقايض عليها بالخبز . وطوفت فيها دون أن ألقى توفيقا ، حتى لقيني رجال فدعونى لبيتهم زاعمين أن نساءهم سيبتعن المسابح . فمضيت معهم حتى بلغنا زقاقا ضيقا مهجورا ، وإذا هم ينقضون علىّ ويختطفون مسابحى وعمامتي ، ولما رأوني ما زلت أقاومهم