جان لوئيس بوركهارت

206

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ويقتنى فقهاء الدامر من الكتب الشئ الكثير ، ولكنها لا تتناول من المواضيع غير الدين والشريعة . ورأيت فيما رأيت نسخة من القرآن لا يقل ثمنها عن أربعمائة قرش ، ونسخة كاملة من تفسير البخاري تساوى ضعف هذا المبلغ في مكتبات القاهرة . وقد جلب هذه الكتب من القاهرة الشباب من فقهاء الدامر أنفسهم ، فكثير منهم يجاور في الأزهر الشريف أو في المسجد الحرام بمكة ، ويظلون سنوات ثلاثا أو أربعا يعيشون على الصدقات والجرايات . فإذا عادوا إلى الدامر علموا الطلبة تلاوة القرآن وأعطوهم دروسا في التفسير والتوحيد . ولهم جامع كبير حسن البناء ولكنه بلا مئذنة ، وتسنده عقود من الآجر وأرضه مفروشة بالرمل الناعم . وجو الجامع ألطف أجواء المدينة وأرطبها إليه ، وإليه يأوى الغرباء للتقيل بعد صلاة الظهر . ويلحق بالجامع مكان مكشوف تحيط به حجرات الدرس . ولكثير من الفقهاء زوايا صغيرة إلى جانب بيوتهم ، ولكنهم لا يصلون فريضة الجمعة إلا في الجامع الكبير . ويحيط كبار الفقهاء أنفسهم بمظاهر الورع والتقوى ، ويعيش الفقى الكبير عيشة العابد المتقشف ، فهو يسكن بناء صغيرا يقوم وسط ميدان كبير من ميادين البلدة ، وقسم من البناء مصلى والقسم الآخر حجرة مساحتها نحو اثنى عشر قدما يقيم فيها ليل نهار لا يبرحها ، بعيدا عن أسرته ، وحيدا لا خدم معه ولا أتباع . وهو يعيش على ما يرسله له أصدقاؤه أو أتباعه من فطور وعشاء . فإذا كانت الساعة الثالثة عصرا بارح حجرته بعد اعتكافه سحابة نهاره للقراءة والدرس ، ثم اتخذ مجلسه على مصطبة من الحجر أمام داره ، وألم به إخوانه وأتباعه ، فجعل يصرّف أعماله حتى الغروب بل بعده . وذهبت مرة لأقبل يده فراعني منه محيا وقور وطلعة جليلة ، وكان يلتف بعباءة بيضاء تغطيه كله ، وسألني من أين أنا آت ، وفي أي مدرسة تعلمت القراءة ، وأي كتب قرأت ؟ وبدا لي أنه اقتنع بجوابى عن أسئلته . وكان يجلس إلى جواره شيخ مغربى من مكناس قدم من مكة ليشتغل له كاتبا ، ويصرف له كل أعماله الرسمية . وذكروا لي أن هذا المغربي استطاع أن يجمع من وظيفته مالا طائلا .