جان لوئيس بوركهارت

207

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ويلوح أن شؤون هذه الدولة الدينية الصغيرة تصرّف بمنتهى الحكمة والتعقل . وجيرانها يكنون للفقهاء أعظم الاحترام والإجلال ، فقد ألقوا الرهبة حتى في قلوب البشاريين الغادرين فلم يسمع أحد أنهم اعتدوا على دامرى يعبر الجبال من بلده إلى سوا كن . وأخوف ما يخافه البشاريون أن يقطع الفقهاء عنهم المطر بسحرهم فتهلك أغنامهم ومواشيهم . وتسير القوافل من حين لحين بين الدامر وسوا كن لأن من الفقهاء تجارا كثيرين . ووجدنا خارج المدينة مضارب للبشاريين والجعليين الذين قدموها ليبيعوا غنمهم . وتوجد الآبار العامة في المدينة وفي الطرق المؤدية إليها على أبعاد متقاربة . وجل تجارة الدامر مع دنقلة وشندى ، ولا تصلها ببربر إلا القوافل المصرية المارة بها . ويصنع القوم قماشا قطنيا خشنا هو تقليد للدمور الذي تصنعه سنار ، ومعظم البضائع المصرية في متاجر الدامر . وليس في البلدة سوق يومية ولكن فيها سوقا أسبوعية يعرض فيها كل تاجر بضاعته . وذكروا لي أن المبيع من الماشية فيها كثير ، وأن الحصر الدامرية المصنوعة من خوص الدوم تلقى رواجا كبيرا في البلاد المجاورة كلها . وفي بلد كالدامر يخلو من السوق اليومية ولا يعرض البائعون فيه سلعهم إلا مرة في الأسبوع يعاني الغريب الأمرين في شراء ما يحتاج إليه من سلع بسيطة . من ذلك أنى احتجت لقليل من ذرة عليقا لحمارى ، ولكن أقل عملة معدنية يتعامل بها القوم هي الريال ، ومقدار ما يشتريه من الذرة يفوق كثيرا ما أستطيع حمله معي . لذلك اضطررت إلى أن أحذو حذو رفاقى ، فطفت بالبيوت أعرض على أصحابها مسابح من خرز بسعر أربع حفن من الذرة للمسبحة . وجنيت من وراء هذه الطريقة ربحا قدره 60 % من الثمن الأصلي ، وأتيح لي فوق ذلك أن أدخل كثيرا من البيوت . وأدهشني أن أكتشف عددا كبيرا من مشارب البوظة وبيوت اللهو منبثة في أرجاء المدينة برغم تزمت الفقهاء وصرامتهم . وأعدت طوافى بهذه البيوت يوميا في أثناء مقامي بالدامر ، وفي عصر يوم كنت أنادى على مسابحى فأقبل على فقيه وسألني هل أقرأ القرآن ؟ فقلت نعم ، فطلب إلى أن أتبعه إلى بيت قد أصيب فيه غداء طيبا ،