جان لوئيس بوركهارت
205
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
العبابدة التي انضمت إليها إلى المنزل الذي نزلوا ، وكان بيت تاجر دنقلى من قدامي أصحابهم ، وكان الرجل غائبا عن داره ، ولكن زوجه رحبت بمقدمنا أيما ترحيب ، ونظفت لنا في الحوش غرفتين أودعنا فيهما بضاعتنا ومتاعنا . والتقينا بتجار من كردفان كانوا قد قدموا من دنقلة حديثا بطريق شندى ، فأتونا بآخر أخبار المماليك . الدامر من 10 - 15 أبريل - الدامر قرية ، أو بلدة « * » كبيرة قوامها خمسمائة بيت . وهي نظيفة تفضل في شكلها بربر لما فيها من مبان جديدة ولخلوها من الخرائب . وفي بيوتها شئ من التنسيق ، وشوارعها منتظمة ، وتنمو في كثير من أرجائها الأشجار الوارفة الظلال . ويسكنها عرب من عشيرة آل المجذوب ، ويردون أصلهم إلى شبه جزيرة العرب ، وجلهم من رجال الدين أو الفقراء . وليس لهم شيخ يتزعمهم ، بل فقيه يسمونه « الفقى الكبير » ، وهو الرئيس الفعلي والقاضي الذي يفصل في خصوماتهم . ويشتهر آل المجذوب الذين أصبح هذا المنصب وقفا عليهم من قديم بما تنجب عشيرتهم من سحرة وعرافين مهرة لا يحجب عنهم غيب ولا تقاوم لهم تميمة . ويروون عن سحرهم القصص التي لا حصر لها ، من ذلك أن أبا الفقيه الحالي - وكان اسمه عبد اللّه - جعل شاة تثغو في بطن اللص الذي سرقها وأكلها . ويحتكم القوم إلى الفقيه في سرقاتهم ، وليس عسيرا عليه أن يأتي بالعجب العجاب في الكشف عن سر هذه السرقات لخوفهم من علمه الواسع الذي يخترق الحجب كما يزعمون . ويخيل إلى أن وظيفة الفقى الكبير وراثية ، ولا بد أن يتوافر فيمن يليها بطبيعة الحال الذكاء ورجاحة العقل والتفقه في الشريعة لأن هذه كلها من مقومات وظيفته . على أن الفقى الكبير ليس ساحرهم الأوحد ، فغيره من الفقهاء الأقل شهرة كثيرون ممن يؤمن الناس بهم على قدر تقواهم وعلمهم ، وهكذا اكتسبت بلدة الدامر بأسرها صيتا ذائعا . وفي البلدة مدارس عدة يؤمها الطلاب من دارفور وسنار وكردفان وغيرها من أنحاء السودان ليدرسوا الفقه دراسة تتيح لهم أن يكونوا في بلادهم فقهاء كبارا .
--> ( * ) لا يفرّق أهل البلاد هنا بين القرى والمدن . فكل مكان مأهول يسمونه بلدا ، فإذا كان صغيرا فهو نزلة . أما لفظ المدينة فلا يستعمل قط في هذا الشطر من السودان .