جان لوئيس بوركهارت

200

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

السنط والسلم . أما الأرض على ضفة النيل الغربية فقد بدت لي شديدة الاستواء على مرمى بصرى ، فلم أر بها جبالا ولا تلالا ، وكل ما رأيته خط أبيض يتبينه الرائي وراء شريط الأرض الزراعية الضيق المحاذى للنهر ، وهذا الخط يشير إلى رمال الصحراء . وصادفنا في طريقنا كثيرا من المسافرين يركبون الخيل أو الهجن ونساء وأطفالا على ظهور الحمير أو خلفها يسوقونها محملة . ويبدو أن هذا الطريق مأمون جدا لا خطر فيه على أهل البلاد ، ولكن الغريب لا يطمئن إلى السير فيه دون دليل أمين . وكنا قد أخذنا من النخيرة رجلين يصحباننا إلى حدود وادى بربر . وبعد ثلاث ساعات ونصف دخلنا إقليم راس الوادي ، وبعد أربع وصلنا قرية راس الوادي ، واضطررنا أن نقف بها لنؤدى ضريبة مرور يفرضونها هناك على التجار . وراس الوادي قرية كبيرة تفوق النخيرة مساحة ولكنها دونها في مبانيها ، وفيها أكواخ كثيرة من الحصير . ومضينا رأسا إلى بيت المك وحططنا على الأرض الفضاء أمامه . هذا المك - ويسمونه المك حمزة - هو ابن عم المك نور الدين في بربر ، ولكنه مستقل عنه لأن راس الوادي إمارة قائمة بذاتها وإن كان جل أهلها في ظني من عرب الميرفاب قبيلة أهل بربر . على أنها كبربر تتبع مك سنار وهو الذي يولى ملكها . ويخشى المسافرون - ولا سيما المصريون منهم - بأس حمزة . وقد ظن التجار الدراويون أن الرجل قد يسئ إليهم بسببي ، وكانوا إلى ذلك مقتنعين بأنه لم يعد لهم في صحبتي نفع ولا مغنم لأننى كنت أدفعهم عن كل حفنة من الذرة يريدون غصبها منى ، لذلك صح عزمهم على التخلي عنى ونبذى نبذ النواة . وكنا قد وقفنا دقائق في السهل على مقربة من بركة ماء أمام القرية ، فما إن هممنا بمعاودة السير حتى أمروني في لهجة ملؤها الازدراء أن أنصرف عنهم ونهونى أن أقرب جماعتهم بعد ذلك . وأردف غلمانهم هذا الأمر بانتهارى كما تنتهر الكلاب ، ثم ضربوا حماري بمؤخر رماحهم وطاردوه إلى الصحراء . وكنت طوال الرحلة أحاول جهدي أن أكون على صلة طيبة برفاقى العبابدة ، وكانوا على لؤمهم خيرا من الدراويين . فمضيت الآن إليهم أسألهم هل ينوون تركى تحت رحمة لصوص الميرفاب أو يسمحون لي بالانضمام إلى جماعتهم ؟ فارتضوا من فورهم