جان لوئيس بوركهارت

193

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وأفتى فقيه من فقهائهم بأن جسده لا يمتنع على العيارات الفضية لأن تمائمه لا تقيه إلا من عيارات الرصاص ، فصهر نفر من التجار ريالات إسبانية وصبوا منها عيارات عبأوا بها بنادقهم . أما تمائم نعيم التي حمته من رصاص أعدائه فلم تكن في حقيقتها سوى بعدهم عن الهدف وضعفهم في الرماية . وكان إذا رأى القافلة أكثر منه نفرا وأقوى بأسا وقف بعيدا وأمر جماعة منها أن ينسلخوا عن بقية القافلة مؤكدا لهم أنه لا يقصد بهم سوءا ، فإذا انفصلوا عنها استطاع أن يشتت شمل الباقين في غير عناء . وكان يوفى بوعده للمنفصلين عن القافلة ويتركهم يمضون بجمالهم المحملة دون أن يلحق بهم أذى ، ولكن هذا لا يمنعه من مهاجمتهم فيمن يهاجم في ظروف أخرى . ويعدّ نجاح هذه الخدعة أقوى دليل على جبن التجار وغدرهم لأنهم يتخلون عن رفاقهم على هذا النحو المشين ؛ ولو أن قبيلة من قبائل الصحارى العربية سلكت هذا المسلك لو صمها بعار لا يمحى . ولم يقس نعيم على ضحاياه العاجزين قسوة غيره من قطاع الطرق الإفريقيين . فكان إذا سلب قافلة سمح للركب أن يأخذوا من الإبل والزاد ما يكفيهم لبلوغ مصر أو العودة إلى بربر . وكان يعرف معظم التجار معرفة شخصية ، لذلك كان يرد للتاجر منهم عبدا أو عبدين عند رحيله . وقد أحفظ عليه قبيلة العبابدة وحملها على الثأر منه قتله عددا منهم في غارة من غاراته ، ولم يمض طويل وقت حتى واتتهم فرصة الانتقام . ذلك أن مئات منهم كانوا يحرسون قافلة بارحت سنار إلى مصر سنة 1812 في صحبة رسل الباشا ، وأقاموا ببربر أياما ليعدوا العدة للرحلة عبر الصحراء . وتلقى رئيس العبابدة في هذه الأثناء نبأ سريا مفاده أن نعيما قد اتخذ لنفسه عروسا جديدة وأنه سيدخل بها في يوم معلوم . وفي اليوم السابق للعرس صدر الأمر للقافلة بمبارحة بربر ، وكان الرئيس قد سار في الليلة البارحة على رأس مائة راكب مسلح محتجا بأنه يقسم بذلك الجمال تسهيلا لمهمة سقيها من عيون شقرة . ولكنه ما إن مضى في الصحراء قليلا حتى عدل عن الطريق المستقيم إلى آخر مغرب ، وانطلق حثيثا يعبر الجبال إلى مقرات . فلما وصل إلى بيت نعيم حاصره وأشعل النار فيه ، وخرج إليه نعيم فقتل في ستة من أصحابه ، وحملت عروسه لمصر وأرسلت أذناه