جان لوئيس بوركهارت
194
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
إلى محمد على باشا وهو بالحجاز . وأكرهت العروس المسكينة على الزواج بأحد قتلة زوجها ، وأتى الرجل بها إلى مصر ، ولكنها استطاعت بعد ذلك أن تهرب إلى دنقلة ، وهي اليوم تعيش بين أسرتها بمقرات . على أن المصير الذي انتهى إليه نعيم لم يمنع قاطع طريق آخر من أن يعيد سيرته في هذه الجبال ، واسم الرجل كرار ، وهو شيخ العبابدة من قبيلة العشاباب . وقد نهب عدة قوافل جلها من بربر سنة 1814 وعاد بما غنم إلى خيامه في جبال عتباى ، وحاول الباشا غير مرة أن يقبض عليه دون جدوى . وليس هناك اليوم إلا أقل اتصال بين بربر ومقرات ، وهي نتيجة يستطيع القارئ أن يخلص إليها ، وكذلك بين بربر وبلاد الشايقية وهي أبعد من مقرات ، اللهم إلا بواسطة الحجاج السودانيين الذين يسيرون بحذاء ضفاف النيل الآهلة بالسكان في طريقهم إلى مصر ، فالحرب المستعرة بين الشايقية والمماليك في دنقلة تضر بسير التجارة . وقد خاض الفريقان عددا من المعارك راح ضحيتها مائة وخمسون من الشايقية وخمسون من المماليك ، وغنم المماليك بعض الخيل والعبيد ، ولكنهم سحبوا قواتهم من الحدود الجنوبية لدنقلة بعد أن أعياهم قهر عدوهم وأضنتهم هذه الحرب العقيمة المزعجة ، ثم ركزوا هذه القوات في الولايات الشمالية حول أرقو حيث يقيمون إلى اليوم . وقد مات أكبر زعمائهم إبراهيم بك الكبير بالشيخوخة عام 1813 ، ويعتبر عبد الرحمن بك المنفوخ زعيمهم اليوم . وقد وفد من مصر عدد من المماليك اتخذوا طريق الصحراء إلى بربر بدل أن يذهبوا إلى دنقلة ، ونزل البيت الذي نزلنا سليم بك الطويل فأقام به شهورا ، وأظهر له مك بربر منتهى اللطف والكرم خوفا من بطش المماليك . وقد خالنى بعضهم في بربر تابعا من أتباع المماليك هربت من مصر لألحق بهم . وكنت أكره أن يتناقل القوم عنى هذه الشائعة ، ولكنها كانت خيرا من أن يظنوا أنى أنتمى لأسرة الباشا أو لجيشه ؛ فقد توجس الناس شرا من إرساله مبعوثا إلى سنار وظنوه يضمر لهذه البلاد سوءا . وكان رؤساء القبائل ينظرون إلى سلطته المتزايدة على مصر نظرات الغيرة والحسد ،