جان لوئيس بوركهارت
192
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وأخيرا آن لنا أن نرحل إلى شندى ، وإليها كان يقصد معظم التجار ببضاعتهم ، فجمعنا فيما بيننا عطاء لإدريس رب البيت ، ولكننا لم نستطع إرضاءه بسهولة ، ناهيك بمطالب زوجه العجوز . وبعد لأي ارتضى أن يأخذ بضاعة تساوى عشرين ريالا لقاء تضييفه إيانا أسبوعين . وكنا اثنى عشر رجلا ، ولكني لست أشك أن ما كان ينفقه علينا يوميا لم يزد على ثلث الريال أو نصفه ، فإن الرجل لم يقدم لنا - فيما خلا الشاة التي ذبحها لنا أول يوم - سوى لون واحد من الطعام هو خبز الذرة بالسمن نأكل منه صحنا كبيرا في الظهيرة ومثله في الليل . وكان رب البيت هو المتكفل بإطعامنا لأننا لم نكن إلا عابرين بالبلدة لا نصحب معنا عبيدا ولا جواري لتجهيز الطعام ، أما حين يعود التجار إلى بربر في طريقهم لمصر مصحوبين في العادة بعدد من الجواري ، فإن هؤلاء الجواري يطهين طعام سادتهن ، فلا يدفعون لرب البيت إلا أجره عن السكنى . وما ذكرته من تفاصيل عن بربر يصدق جله على شندى وعلى سائر الإمارات الصغيرة حتى بلوغك سنار فيما أعلم . والأرض الواقعة تجاه بربر على ضفة النيل الغربية أرض غير مزروعة ، ولكنهم ذكروا لي أن السائر بحذاء النيل يصادف عددا لا بأس به من قرى العرب لا سيما في بلاد مقرات التي ينزلها عرب الرباطاب - وهم قبيلة مستقلة كقبيلة الميرفاب ، تمتد مساكنها مسيرة يومين أو ثلاثة على النيل . ومن أكبر قراها بجم وتقع على ثلاث مراحل طوال من بربر ، وهي اليوم مقر أبو حجل شيخ عرب مقرات الذي خلف قريبه نعيما قاطع الطريق الشهير السالف . ذكره وكان نعيم قد جمع ثروة طائلة مما غنمه من القوافل المصرية ، وقد أنفق جلها في شراء الجواري الصغيرات ، وكان يطيب له المفاخرة بما يلهو ويعبث به في حريمه . ودرج على أن يتربص بالقوافل بين بربر وآبار النجيم ، ولكنه كان أحيانا يتعقبها إلى شقرة . وكثيرا ما أطلقت عليه النار ، ولكنها لم تصب منه مقتلا لأن درعه القوية كانت تقيه من رصاص البنادق البعيدة ، وهذا هو السر في اشتهاره بالسحر . فقد زعم القوم أنه يحمل من التمائم والتعاويذ ما يعصمه من الإصابة .