جان لوئيس بوركهارت

176

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

أم بلبل ، وسمى أم بلبل لأنه يطلق لسان شاربه بالغناء . والمريسة والبوظة لا يخلوان من فتات الخبز لأنهما يخمران معه ، أما أم بلبل فيصفّى بقماش يخرج من خلاله الشراب نقيا سائلا . ولقد ذقت ثلاثتها ، ووجدت لأم بلبل حرافة لطيفة تجعله أشبه بالشمبانيا الحامضة . ويقدم الشراب في برمة كرية واسعة مفتوحة عند قمتها عليها نقوش كثيرة منوعة . وتسع البرمة لترين ، وشراب الرجل منهم برمة على الأقل في مجالسهم . فإذا وضعت البرمة على الأرض جئ إلى جوارها بوعاء آخر صغير مقسوم من نصفه في حجم فنجان الشاى ، ثم صب فيه الشراب وأدير على القوم واحدا واحدا ، وبين الدور والدور فترة من ست دقائق إلى ثمان . وفي بداية مجالس الشرب يدار عليهم عادة طرف من اللحم المشوى المتبل بالفلفل الكثير ، ولكنهم يزعمون أن في البوظة الكفاية من الغذاء . والواقع أن النوع العادي منها أشبه بالحساء أو الثريد منه بالراح التي تشرب جرعة واحدة . والقوم كلهم مولع بهذا الشراب ، وللنساء به كلف لا يقل عن كلف الرجال ، ولا يشذ عنهم في هذه العادة سوى رجال الدين أو الفقراء ، فهم لا يقربونه جهرة على الأقل . وثمن البرمة من البوظة كيلة من الذرة ، يستعمل ثلاثة أرباعها لصنع الشراب ويؤخذ الربع أجرا عن صنعه . وأهل بربر ، فيما خلا هذا الولع بالشراب ، زاهدون في الطعام ، وقد يمسكون عنه اليوم كله ليتسنى لهم الشرب والقصف ليلا . وأهم غذاء عندهم خبز الذرة ، ولما كانوا لا يملكون طاحونا ولا رحى ، فهم يطحنون الذرة بنثرها فوق حجر أملس طوله قدمان وعرضه قدم ، يضعه الطحان بميل أمامه ، وتحت طرفه السفلى ثغرة في الأرض فيها قدر مكسورة أو وعاء خشبى أو نحوه يتلقى دقيق الذرة ، أما أداة الطحن فحجر صغير في القاع يمسكه بكلتا يديه ويروح به ويجئ على الحجر المائل وهو راكع . ولصنع أجود الخبز تغسل الذرة غسلا جيدا وتجفف في الشمس ، ولكنهم في الأكثر يطحنونها دون أن يجشموا أنفسهم مشقة غسلها ، وفي اثنا الطحن تبلل الذرة باستمرار برش الماء عليها من حوض قريب ، فيكون الدقيق المتساقظ في الوعاء أقرب إلى العجين السائل ، خشنا تشوبه الأقذار والتبن .